ظهر الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، في مستهل بيانه للسياسة العامة للحكومة على نفس المسار الذي ميز أداءه خلال الفترة الماضية: تشخيص واقعي بعيد عن الاستغلال السياسي، واعتراف بالمسؤولية، وإنجاز ماثل للعيان، ومتابعة ميدانية واضحة.
لم يكن الخطاب تقليديا، ولم يكن الوزير الأول سياسيا فقط يستعرض نصا عاما لأداء اشتراط دستوري فحسب، بل كان يعلن، بلغة الالتزام لا الاستهلاك السياسي، التوجهات العامة لمستقبل البلاد، وفق رؤية فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وضمن تحولات العالم.
وباختياره الاعتراف بالإشكالات وإبرازها بدل التنكر لها، وضع الحكومة تحت المساءلة أكثر من أي وقت مضى.
الواقعية في التشخيص
كانت الواقعية أبرز سمات الخطاب. فقد اعترف بالأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها الداخلي، ولم ينكر الغلاء، بل أبرزه بأرقامه وأسبابه، مستندا إلى الوكالة الوطنية للإحصاء: تضخم سنوي بلغ 9.3%، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 12.5%.
وأخذت هذه الواقعية بعدا اجتماعيا دقيقا، حين ميز بين الإنجاز المادي، كبناء أكثر من 7000 حجرة دراسية وعشرات المراكز الصحية، وبين الأثر المعيشي الذي لم يصل بعد إلى جيب المواطن بالقدر الكافي.
كما امتدت إلى الأداء الإداري، حين أقر بأن الخلط بين المنصب الإداري والمنصب السياسي أضعف الإدارة، متعهدا بمسار قانوني جديد يفصل بينهما على أساس الكفاءة والتخصص والأداء. واعترف كذلك بأن التخطيط القصير المدى بحاجة إلى إصلاح جذري ورؤية تطويرية.
دولة الضعيف أولا
لم تكن قوة الخطاب في وعوده، بل في مصداقيته وتحديد أولوياته. فلم يعد الوزير الأول بجنة تنمية، بل أكد في ظرف خاص من تاريخ الشعوب أن المنطق الأكثر مصداقية هو تخفيف آثار الأزمة على الموظفين والفئات الهشة.
ولهذا جاءت الأولوية لتسقيف أسعار المواد الغذائية الأساسية، ووضع سياسة معيشية مضبوطة، وإطار مستمر للتحكم في أسعار الوقود.
من البناء إلى الأثر
استند الخطاب إلى حصيلة كبيرة: قرابة 7600 حجرة دراسية، و1340 بئرا، و784 كلم من الطرق المعبدة، وعشرات المنشآت الصحية، وآلاف المكتتبين في فترة وجيزة.
لكن الجديد فيه هو الانتقال من سؤال «كم بنينا؟» إلى سؤال «كيف ستتحسن ظروف معيشة المواطنين؟»، خفضا لأسعار المواد الأساسية والوقود، وتخفيفا لأثر التضخم على رواتب الموظفين.
وهو بذلك يؤكد مسار البناء التدريجي الذي اعتمده فخامة الرئيس: تشييد البنى الحاضنة للتنمية أولا، ثم بناء المسارات الاقتصادية الضامنة لقوة شرائية وظرف معيشي مناسب، بعد أن كانت المرحلة منذ 2019 إعادة تأسيس صلبة للقاعدة التي تنهض عليها التنمية.
موريتانيا ليست نواكشوط فقط
جاء الخطاب بعد عودة اللجان الوزارية المكلفة بالتشاور حول المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية الداخل، حاملة حصيلة إنجازات محلية تفوق في كل ولاية ما أنجز فيها من بنى تحتية منذ الاستقلال، وآفاقا لمنشآت ينتظر إنجازها خلال 2027 و2029.
والجديد الذي حمله الخطاب هو الانتقال إلى صندوق تنمية خاص بكل ولاية، وتمويل السيادة والإنتاج الغذائي، ومضاعفة تمويل المبادرات الشبابية.
وهذا ما يرسخ فكرة التنمية المحلية، ويؤكد أن موريتانيا لم تعد نواكشوط فقط، تطبيقا لرؤية رئيس الجمهورية قبل أسابيع، بضرورة إنجاز المنشآت والخدمات التي تغني المواطن عن السفر إلى العاصمة بحثا عن علاج أو تعليم أو خدمات معيشية.
فإذا انتقل الداخل من الاستهلاك والاستنزاف إلى الإنتاج والاستقرار، أصبحت موريتانيا كلها منتجة.
من العمل الحكومي إلى رؤية الدولة
يعني هذا الأفق الطويل أننا انتقلنا من تفكير الحكومة إلى رؤية الدولة، وأن السلطة تضع الآن الأسس والمشاريع التي ستحصد نتائجها الأجيال القادمة.
وهو ما يعني القطيعة مع تشتت التنمية، والانتقال إلى المشاريع الكبرى والنهوض المتكامل، تأكيدا على أن الدول لا تبنى في مأمورية واحدة، بل بمنطق يتجاوز المأموريات إلى البناء المستمر والترميم المتواصل.
خاتمة
خطاب الوزير الأول أمام البرلمان لا يعني تحولا في مسار الرجل، بقدر ما يؤكد قدرته على الإنجاز، والسير الواثق بين مراحل البناء، وتحديد ما يريد الوصول إليه، وكيف يصل إليه في الزمن والوسائل.
لكنه يعني تحولا جديدا في إدارة الشأن الحكومي، مؤسسا على الإنجاز، والتعاطي الإيجابي مع متغيرات العالم، وروح الطموح والتخطيط بعيد المدى.
وهو ما أكده حين قال:
*«لن أعد مواطنينا بقدرتنا، من خلال هذين المسارين، على تحييدهم بشكل كامل عن آثار هذه الأزمة، لكن أريدهم أن يكونوا على ثقة تامة بأننا لن نتركهم وحدهم في مواجهة تداعياتها. فسيلمسون بإذن الله أثر تدخلات الحكومة بشكل سريع وملموس وشامل في رواتبهم ومعاشاتهم، وفي فواتير مائهم وكهربائهم، وفي التحويلات النقدية والتوزيعات الغذائية التي تصل الأقل دخلا منهم».*
يأخذ هذا الخطاب موقعه في سياق التداول السياسي، مميزا بين تفكير الدولة وتفكير المواسم الانتخابية. فهو لا يخاطب لحظة عابرة، بل يؤسس لمسار مستمر.
ودون شك، سيزعج هذا المنطق من يحاولون الإبقاء على موريتانيا مرتهنة لتفكير الشتات واللحظة الخاطفة، أو بالأحرى سيزعج المصابين بما يمكن تسميته «متلازمة ولد اجاي»،










