من أرشيف 2014 (الحلقة 3)

ماموني ولد مختار

محطات مثيرة في مسيرتي الصحفية: (اتهامات اتهمت بها).
في هذه الحلقة، أتناول اتهامات وجهت إلي خلال مسيرتي الصحفية، قادني بعضها إلى التحقيق والاستجواب من طرف الأجهزة الأمنية، وأكشف تفاصيلها لأول مرة:
01- في عام 1980، ولا أتذكر اليوم أو الشهر تحديدا، كنت في مقر عملي بالوكالة الموريتانية للأنباء، عندما سلمني مديرها العام، المرحوم سيدي ولد الشيخ، برقية لوكالة الأنباء الفرنسية، وطلب مني إيصالها إلى محمد الأمين ولد يحيى، الأمين العام للأمانة الدائمة للجنة العسكرية، التي كانت توجد في المبنى الذي أصبح لاحقا مقرا لمجلس الشيوخ.
قرأت البرقية، فوجدتها تعلن تأسيس: التحالف الموريتاني الديمقراطي AMD، المعارض لنظام المقدم محمد خونا ولد هيدالة، وتتضمن البرقية، أسماء كل من: محمد ولد جدو، ومحمد عبد الرحمن ولد أمين، والمصطفى ولد اعبيد الرحمن.
قررت التوجه إلى مالو كيف ولد الحسن، مساعد مفوض الأمن الغذائي، المرحوم مولاي هاشم، وكانت مكاتب المفوضية تقع شمال المسجد السعودي، لأطلعه على البرقية، ثقة مني به ومعرفة بموقفه غير الراضي عن النظام. فنسخ مضمونها، وطلب مني تزويده بأي أخبار أخرى تتعلق بالموضوع.
بعد ذلك، سلمت البرقية إلى محمد الأمين ولد يحيى، الذي وجدته ينتظرني أمام مكتبه، ثم عدت إلى الوكالة، حيث سألني المدير العام عن سبب تأخري عن  ولد يحيى، فقدمت له عذرا قبله.
وفي مساء اليوم نفسه، توجهت إلى منزل الداه ولد عبد الجليل، وأخبرته بالموضوع، ولم أتمالك نفسي من البكاء تأثرا وحبا للمصطفى ولد اعبيد الرحمن، فهدأ من روعي.
02- في اليوم الموالي لإعلان تأسيس حركة AMD، كنت في الرئاسة مكلفا بتغطية نشاط رسمي، فدخلت مكتب المستشار الأستاذ الدكتور المحجوب ولد بيه، ووجدت معه أحد قادة الحركة الوطنية الديمقراطية (MND)، أتحفظ على ذكر اسمه.
سألني الرجل، بأسلوب استفزازي: «أين أخبار صاحبك المصطفى ولد اعبيد الرحمن؟».
أجبته بأن مفهوم الصحبة واسع، وأن علاقتي بالمصطفى تتجاوز ذلك إلى ما يشبه علاقة الأب الروحي. وكنت حينها في حالة غضب شديد، لا حظها المحجوب ولد بيه، وقال: «المصطفى صديقنا وأخونا ورفيقنا الذي نقدره»، ثم اصطحبني إلى خارج مكتبه، وعبر لي عن عدم رضاه عن تصرف ضيفه.
ولن أنسى له هذا الجميل أبدا، فقد أنقذني من مشكلة كنت ربما سأقع فيها.
03- في سنة 1980، أوفدتني نقابة الصحفيين إلى دورة تكوينية في بغداد. وعند عودتي، استدعاني المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، وقال إن لديه معلومات تفيد بأنني التقيت المصطفى ولد اعبيد الرحمن في فرنسا.
نفيت ذلك، وأوضحت أنني قضيت ثماني ساعات في مطار باريس في انتظار رحلة العبور، ولم أغادر المطار وكنت صادقا معه. فطلب مني جواز سفري، فناولته إياه، لكنه احتفظ به وأخبرني بأنه سيعيده إلي لاحقا.
بعد ذلك، استدعتني إدارة الأمن، وسألني مديرها العام، النقيب محمد الأمين ولد الزين، خال المصطفى ولد اعبيد الرحمن، الأسئلة نفسها التي طرحها علي مدير الوكالة. فأجبته بالإجابات نفسها، قبل أن يعيد إلي جواز سفري، الذي كنت قد سلمته إلى المدير العام للوكالة.
04- في العاشر من مارس 1981، ذهبت إلى دكار رفقة زوجتي المريضة، التي توفيت في الحادي والعشرين من الشهر نفسه، في مستشفى أبرينسبال، الذي دخلته لحظة وصولنا إلى دكار.
وعدت إلى نواكشوط رفقة والدة زوجتي، رحمها الله، مساء 23 مارس، حيث أخبرني شرطي من أقارب زوجتي بأن اسمي مدرج في قائمة لدى إدارة الأمن،  تبحث عن اصحابها في إطار الاعتقالات المتعلقة بمحاولة انقلاب 16 مارس، التي وقعت وأنا امارض زوجتي.
وفي اليوم الموالي، ذهب محفوظ ولد إبراهيم، زوج شقيقة زوجتي المتوفاة، وكان حينها حاكما لمقاطعة، إلى المدير العام للأمن، المرحوم محمد الأمين ولد انجيان، الذي عين على رأس إدارة الأمن مباشرة بعد أحداث 16 مارس، قادما من منصب والي ولاية الترارزة.
شرح له محفوظ ولد إبراهيم ظروفي وسبب وجودي في السنغال أثناء محاولة انقلاب 16 مارس، وتعهد له بعدم متابعتي، وهو ما تحقق، والحمد لله.
05- في سنة 1981، استوقفني شخص لا أعرفه، وقدم نفسه على أنه شرطي، ثم اصطحبني إلى إدارة مكتبةالدراسات والتوثيق التابع لرئاسة الجمهورية BED. وهناك استقبلني مدير المكتب، الرجل الفاضل الطالب أخيار ولد مامينا ولد الشيخ ماء العينين، ببشاشة، وقال لي: «ماموني، أنت من عشيرة تحب أسرتنا كثيرا، وأعتقد أن ذلك هو سبب تسميتك بهذا الاسم، ولذلك حرصت على استجوابك شخصيا».
ثم سألني عن علاقتي بحركة AMD، وخاصة بالمصطفى ولد اعبيد الرحمن، وأضاف: «معلوماتنا تقول بأنك على صلة وثيقة بها، وأنك تزودها بالأخبار».
نفيت له، بكل صدق، أن تكون لي أي علاقة بتلك الحركة، وأوضحت له أن علاقتي بالمصطفى ولد اعبيد الرحمن قوية جدا، وأنها امتدت عقودا، إلا أن صلتي به انقطعت نهائيا بعد مغادرته موريتانيا، ولم أعرف عنه بعد ذلك إلا ما تنشره وسائل الإعلام من أخبار.
قال إنه يصدقني، لكنه حذرني من أن هناك من يسعى إلى توريطي في الموضوع.
06- في عام 1990، التقيت  بالضابط محمد ولد الهادي في قاعة الشرف، بحضور عدد من المستشارين في الرئاسة، من بينهم أحمد ولد عبد القادر، الذي قدمه لي باعتباره مدير BED التابع للرئاسة، واصفا إياه بالمثقف والمهتم بالتاريخ والتراث.
وبعد هذا اللقاء بأيام، التقيت ولد الهادي صدفة، أمام منزل بجانب المسجد السعودي، فطلب مني الدخول معه، واكتشفت أن المكان يضم مكاتب إدارته.
وخلال جلسة شاي، شرح لي رغبته في تحويل المكتب من جهة تجمع المعلومات الشخصية عن الأفراد، أحيانا بطرق غير سليمة، إلى مؤسسة تهتم بالدراسات الاقتصادية والثقافية والأمنية والتوثيق، وذلك بالاستعانة بالباحثين لإنجاز دراسات مدفوعة الأجر، وفق ضوابط واضحة.
وطلب مني أن نبقى على اتصال لمناقشة الموضوع، وأعطاني رقم هاتفه، لكنني لم أتصل به أبدا، ولم ألتق به بعد ذلك إلا مصادفة أخرى عام 2012، حين كان مديرا عاما للأمن الوطني.
كنت يومها أبحث عن شخص في تفرغ زينة، فالتقيته أمام منزله يوم جمعة، فدعاني إلى الدخول، وتحدثنا عن الثقافة والأخلاق والتماسك الاجتماعي، كما سألني عن مشكلتي في الوكالة الموريتانية للأنباء والمح لي بأن التعاون معه، يمكن ان يساهم فى حل المشكلة، لم اعلق على ذلك.
07- طوال مسيرتي المهنية، لم أدخل مقرا أمنيا، باستثناء اللقاءات التي ذكرتها، والتي فرضتها ظروفها، وذلك قبل تعيين المفوض ولد آده على إدارة أمن الدولة خلال المرحلة الانتقالية الأولى. فقد كنت أزوره أحيانا في مكتبه بإدارة أمن الدولة، وهي الإدارة التي لم أدخل مكاتبها قبل تعيينه عليها، ولا بعد خروجه منها.
وللتوضيح، تربطني بالمفوض ولد آده علاقات صداقة قوية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كان مديرا للأمن في ولاية كوركول، وكنت مراسلا للوكالة فيها. وقد نسجنا علاقات صداقة ومحبة استمرت حتى يومنا هذا.
وأشهد له بالصدق والشجاعة ونصرة الحق، فقد وقف إلى جانبي ماديا ومعنويا بعد فصلي التعسفي من عملي، مما تسبب له في مشكلات كثيرة، لكنها لم تثنه عن مواصلة الوقوف إلى جانبي. فجزاه الله عني خيرا.
08- في عام 2005، عندما كنت مكلفا من طرف الوكالة بتغطية نشاطات مطار نواكشوط، دخل علي في قاعة الشرف مدير الأمن دداهي ولد عبد الله، برفقة عدد من مديري الأمن، لتوديع مديرهم العام اعل ولد محمد فال.
وعند مصافحتنا، خاطب مفوض المطار، فاضلي ولد الناجي، مازحا، وطلب منه ألا يسمح لي بدخول المطار إلا إذا قدمت ورقة تثبت أنني زرته وشربت معه الشاي، لأنه دعاني مرارا ولم ألب الدعوة. فأجابه المفوض: «أمركم».
وعند مغادرته، قال لي أحد الحاضرين: لماذا لم تلب دعوة دداهي؟ فالعلاقات معه تفتح لك الأبواب.
أجبته بأن دداهي قدم لي خدمة كبيرة، إذ أشهد الحاضرين على أنني لا تربطني علاقة بإدارته، وهي شهادة أعتز بها، مع احترامي له هو شخصيا.
09- في عام 2009، وبعد الاعتداء علي خلال مسيرة للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، اتصل بي شرطي قريب لي، وأخبرني أن مدير أمن الدولة يطلب مني المرور عليه في مكتبه.
سألته: خيرا؟ فرد علي بأن المدير أخبره بأنه يرغب في لقائي، بعد حادثة الاعتداء، لشرب الشاي معه في المكتب أو في المنزل، إذا كنت لا أرغب في زيارته في المكتب.
رفضت الدعوة، وقلت له باختصار إنني لا أرى مبررا لهذا اللقاء، إذ لا تربطني بالمدير علاقة خاصة، وإنني أرفض الحديث عن موضوع الاعتداء. وطلبت منه ألا يعاود الاتصال بي في هذا الموضوع.
حرصت على ذكر هذه الوقائع لأن ثقافة الاتهام بالتخابر منتشرة في مجتمعنا، ولأنها قد تتحول إلى وسيلة للنيل من سمعة الأشخاص، من دون أدلة واضحة أو قرائن جدية.
وأتذكر أنني قرأت مرة تعليقا لأحدهم يزعم فيه أن الهدف من فصلي من عملي هو كسب ثقة المعارضة، حتى أتمكن من التجسس عليها.
كما أتذكر أن محمد الشيخ ولد سيدي محمد، وكان حينها المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، سألني مرة عن الجهة الأمنية التي أعمل معها، فأجبته:
«هي الجهة التي لا تعمل أنت معها».
إلى الحلقة الرابعة...

خميس, 05/11/2026 - 17:12