التقييد الذاتي أو تسقيف الطموح..

أحمد محمد المصطفى

تابعت البارحة أجزاء من بودكست "بعد البث"، والتي استضاف فيها الإعلامي المتميز أحمد طه الصحفي صلاح نجم، وهو إعلامي صاحب تجربة ثرية ومتنوعة. فقد شارك في تأسيس قناة الجزيرة، بعد أن عمل قبلها في إذاعة هولندا الدولية، وفي الـ"BBC"، كما شارك في تأسيس قناة العربية، وساهم في تأسيس الإخبارية السعودية، وعمل مديرا للأخبار في قناة الجزيرة الإنجليزية لنحو 15 سنة، وساهم في تأسيس الجزيرة أمريكا.
أعجبني اكتفاؤه في تعريفه بنفسه بكلمة واحدة، هي "صحفي". وتلخيصه للعمل الصحفي في كلمة أخرى هي "الحرية"، وأن على الصحفي "أن يسعى إلى المثال والأفضل، ولا يقبل بالأمر الواقع"، و"أن لا يفكر أن فيه خطوطا حمراء. عندما يصل إليها سيعرفها.. ولو بدأت وأن تخشى الخط الأحمر لن تكون صحفيا أبدا.. ابدأ بالحرية وستصطدم بالخطوط الحمراء فيما بعد".
وتذكرت حديث إحدى الإعلاميات البارزات في إذاعة موريتانيا حين قالت لنا في جلسة في نقابة الصحفيين الموريتانيين 2010 أو 2011، إن الكثير من الرقابة والتقييد في وسائل الإعلام العمومية هي رقابة ذاتية، وتقييد شخصي، وإن السبب الأول فيه هو أن الصحفيين والإدارة من بعدهم ليست مستعدة لأن تجرب "الحرية" أصلا.. 
مثلت لذلك بأنها أحيانا تكون في برنامج مباشر ويتصل أحد المواطنين ويبدي ملاحظات على أداء الحكومة، أو على مشاكل في الخدمات فتبادر بقطع الخط عنه ثم تعتذر بانقطاع الخط دون قصد. وعلقت هنا بأن الصحفي يفعل هذا من تلقاء نفسه وليس لأن جهة ما أمرته بذلك. يفعله لأنه يعتقد أن إدارته والحكومة من خلفها تفضل أن يقطع هذا الصوت. مع أنه في الحقيقة يخدمها، وهو فوق ذلك حق للمواطنين أن يتحدثوا بحرية في وسيلة إعلامهم فهي وسيلة إعلام للشعب وليست للحكومة أو للنظام. الحكومات والأنظمة تأتي وتذهب..
كما تذكرت مقطع فيديو غاية في الظرافة، يعود لإحدى القنوات المحلية، وأرجح أنها قناة الساحل، تضمن المقطع تصريحا لأحد المتسولين عند أحدى ملتقيات الطرق الرئيسية في نواكشوط، وكان المتسول يرد على سؤال حول: مطلبه الأبرز للرئيس؟ وما يريد أن يحقق له؟ (كنت أتوقع أن يطلب تمويلا أو مشروعا أو توظيفا أو أي شيء يغير واقعه ويغنيه عن التسول، لكنه كان يفكر بسقف طموح داخل التسول).
كان رده المؤلم والطريف في الآن ذاته: أطالب الرئيس بإصدار قانون يلزم من أدخل يده ليمنحنا مبلغا ماليا أن لا يغادر حتى يسلمه لنا حتى ولو تغير لون إشارة المرور إلى الأخضر!! هذا هو مطلبه الأول والأوحد..
من أمثلة التقييد الذاتي، وتسقيف الطموح ما يقوم به البرلمان الموريتاني في نظامه الداخلي، فهذه الوثيقة المهمة هي التي تنظم عمل المجلس، وهي خاصة بالسلطة التشريعية ولا دخل لأي سلطة أخرى فيها، لكن النواب الموقرين يمارسون فيها تقييدا ذاتيا، وتسقيفا للطموح ربما لم تكن السلطة التنفيذية لتمارسه لو تولت صياغة هذه الوثيقة.
أكتفي بمثال واحد، مع أن الأمثلة عديدة، يتعلق بتعامل السلطة التشريعية مع رفض عضو في السلطة التنفيذية سواء كان عضوا في الحكومة أو الوزير الأول الاستجابة لاستجوابها. أتدرون ماذا قرر النظام الداخلي في هذه الحالة. لقد قرر الشكوى إلى السلطة التنفيذية نفسها، عبر إعداد تقرير وإحالته إلى الوزير الأول في حال كان الممتنع وزيرا، أو إحالته إلى الرئيس إن كان الممتنع الوزير الأول.
أي أن السلطة التنفيذية هي الخصم والحكم في الآن ذاته. يشتكى إليها من أخطائها.
وقد ورد ذلك نصا في المادة: 128، حيث تقول: "في حالة امتناع المستجوب، يوجه رئيس الجمعية تقريرا شاملا (يا سلام التقرير لا بد أن يكون شاملا) تتم المصادقة عليه في جلسة عامة مع توصياته إلى رئيس الجمهورية، إن كان الوزير الأول هو المستجوب، أو إلى الوزير الأول، إن كان المستجوب عضوا في الحكومة".
أزيلوا القيود عن أنفسكم وارفعوا سقف طموحكم وسألوا الله عز وجل علو المقامات في الدنيا والآخرة، وتذكروا قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنها وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفها عرش الرحمن". 

أربعاء, 04/11/2026 - 09:27