فجرُ موسكو!

الشيخ محمد حرمة

في رواية (دكتور جيفاغو)، ترك بوريس باسترناك لبطله دفترًا من القصائد. عنوان واحدة منها (الفجر)، وفيها يخرج الشاعر بعد ليل طويل إلى شوارع المدينة وهي تستيقظ.
يرى العمال والنساء والمارة، يشعر فجأة أنه عاش حياة كل واحد فيهم. وكأن الفجر لم يكن نهاية الليل فقط، بل ولادة جديدة لروح أنهكها الانتظار.
تذكرتُ القصيدة وأنا أغادرُ مطار فنوكوفو، الخامسة فجرًا، وسيارة الأجرة تتحرك وسط زحمة ما تزالُ قيد التشكل، فيما كانت درجة الحرارة عند الصفر، لكن لا ثلج. برد جاف يغمر الروح قبل الجسد.
من الجميل أن تدخلَ موسكو من أقدم مطاراتها. مطار فنوكوفو افتُتح عام 1941، في الأسابيع نفسها التي اجتاحت فيها جيوش هتلر الاتحاد السوفيتي.
خلفي ثلاثة أيام من السفر، وقرابة سبعة آلاف كيلومتر: نواكشوط، ثم الدار البيضاء، ثم إسطنبول، ثم موسكو. وقبلها ليلة من الغبار والانتظار في مطارنا لن أنساها.
كان ذلك ليلي الطويل. وكانت موسكو فجري.
…
كان برفقتي نقيب الصحفيين الموريتانيين السابق أحمد طالب ولد المعلوم، والصحفي في التلفزيون الموريتاني سعدنا حب الله، والظاهرة بكل ما تحمله الكلمة من غرائبية أحمد سالم ولد حبيب الرحمن.
تولى النقيب مهمة التواصل مع سائق سيارة الأجرة، ولعب الهاتف دور الوسيط بين الشاب الأوراسي الاشقر، والرجل الصحراوي القادم من سهول لعصابه.
انطلقنا على طريق كييف السريع.
الاسم وحده يكفي ليذكّرك بأن الجغرافيا هنا ليست محايدة. فالطرق في موسكو تحمل أسماء المدن التي تقود إليها: طريق كييف، وطريق مينسك، وطريق لينينغراد. خريطة كاملة لعالم كان يومًا بلدًا واحدًا، وصار اليوم بلدانًا، وبعضها في حرب.
كنتُ أغالب النعاس بالنظر من النافذة لاكتشاف مدينة تستيقظ بهدوء.
الغابات على جانبي الطريق في لون الخريف الأخير: أصفر يميل إلى البني، وأشجار بدأت تتعرى استعدادًا للشتاء.
في عيوني ما يزالُ عالقًا بعض بقايا الغبار.. أحتاج شتاءً كاملًا في موسكو ليغسله!
…
دخلنا المدينة من شارع لينينسكي.
شارع عريض إلى حد يدهشك، كأنه صُمم لاستعراض عسكري لا لسيارات أجرة وقت الفجر.
شيّد أغلب الشارع خلال الحقبة السوفيتية، وسُمّي باسم لينين عام 1957، بالتزامن مع ذروة الحرب الباردة.
على جانبيه عمارات ضخمة متشابهة، بنوافذ متراصة، تحكي عن زمن كانت فيه الدولة تبني للناس بيوتهم، وتتحكم في كل شيء من حولهم.
في ساحة غاغارين، رأيته واقفًا هناك. يوري غاغارين، أول إنسان صعد إلى الفضاء.
تمثال من التيتانيوم يتجاوز ارتفاعه أربعين مترًا، أُقيم عام 1980، يرفع ذراعيه إلى الجانبين، وجسده مشدود إلى أعلى، كأنه ينطلق نحو السماء.
تذكرتُ صديقًا عرفته باسم (يوري) قبل حتى أن أعرف اسمه الحقيقي.
انعطف السائق إلى الطريق الدائري الثالث، الذي يلتف حول قلب موسكو كحزام.
وفي الأفق، بدأت تظهر أبراج (موسكو سيتي): ناطحات سحاب من الزجاج، تلمع في ضوء الشمس الأول. موسكو أخرى، لا علاقة لها بعمارات لينينسكي ولا بتمثال غاغارين.
كانت موسكو تهمسُ لي: مرحبًا بك في المستقبل، بعد أن عبرتَ الماضي.. كانت تؤكد أنها تستطيع أن تكون سوفيتية عتيقة وروسية حديثة في الآن نفسه.
ما أدركته وأنا أعبرُ شوارع موسكو فجر ذلك اليوم، أنها مدينة متعددة الطبقات. كل حقبة تركت فيها بصمة، ولم تمحُ واحدة الأخرى. القياصرة، ثم السوفييت، ثم الزجاج البراق والمال والأعمال.
كل هذه الحقب ما تزالُ تعيش جنبًا إلى جنب، دون أن تعتذر إحداها عن الأخرى.
…
أخيرًا، شارع أوليمبيسكي.
والاسم ليس مصادفة. فقد شُقّ هذا الشارع وبُنيت حوله المنشآت استعدادًا لأولمبياد موسكو عام 1980، الألعاب التي قاطعتها دول غربية كثيرة يومها احتجاجًا على غزو أفغانستان. أي أن السياسة كانت حاضرة حتى في الرياضة، وحتى في أسماء الشوارع.
التاريخ يعيد نفسه دومًا.. وموسكو أكثر المدن تشهدُ على ذلك.
قبل أن تنعطف سيارة الأجرة نحو الفندق، كان المسجدُ الكبير في موسكو يعكسُ أشعة الشمس، بألوانه الذهبية وطرازه المعماري اللافت.
جمعَ المسجدُ ما بين نمط المعمار التتري التقليدي الذي نعرفه في سمرقند وبخارى، مع مسحة خاصة من العمارة الإسلامية الكلاسيكية. كل ذلك كان بنكهة روسية لا تخفى.
قد يتواصل...

ثلاثاء, 03/11/2026 - 13:46