نظافة نواكشوط.. مسؤولية مشتركة لا تحسمها الشاحنات وحدها

من واقع تجربة ميدانية ومهنية امتدت لثلاث سنوات في مجال تسيير النفايات الصلبة (Gestion des déchets solides)، أعددت خلالها تقارير شهرية تُرفع إلى البنك الدولي، وتوليت الرد على ملاحظات وتعليقات خبراء دوليين متخصصين في هذا المجال، وصلت إلى قناعة راسخة أرى أن من الضروري مشاركتها مع الرأي العام.

 

لا توجد شركة، مهما بلغت قدراتها المالية واللوجستية، تستطيع بمفردها ضمان نظافة حي واحد من أحياء نواكشوط بصورة مستدامة، فما بالك بمدينة بحجم نواكشوط واتساعها!

 

فالنظافة ليست مجرد شاحنات تجوب الشوارع، ولا حاويات توزع على الأحياء، ولا عمال يجمعون النفايات صباحًا ومساءً. إنها منظومة متكاملة تبدأ من سلوك المواطن داخل منزله، وتمر بطريقة إخراج النفايات وتجميعها ونقلها، وتنتهي بمعالجتها والتخلص منها وفق المعايير البيئية والصحية.

 

لقد علمتني التجربة أن المشكلة لا تكمن دائمًا في نقص المعدات أو ضعف الإمكانيات، بل في غياب الحلقة الأهم في هذه المنظومة: مشاركة المواطن والتزامه.

 

فما جدوى أن تنظف شركة شارعًا في الصباح، ثم يتحول في المساء إلى مكب عشوائي؟ وما فائدة توفير الحاويات إذا كان البعض يرمي النفايات بجانبها بدل وضعها داخلها؟ وكيف يمكن لأي منظومة جمع ونقل أن تنجح إذا لم يحترم السكان أماكن تجميع النفايات ومواعيد إخراجها؟

 

وهذا لا يعني إعفاء السلطات العمومية أو الشركات المتعاقدة من مسؤولياتها؛ بل على العكس، فهي مطالبة بتوفير خدمة منتظمة وفعالة، وتوزيع وسائل الجمع بصورة مدروسة، وضمان المراقبة والصيانة، وتطبيق القوانين، مع تكثيف حملات التوعية والتحسيس.

 

لكن هذه الجهود، مهما بلغت، ستظل محدودة الأثر ما لم يقابلها وعي جماعي وإحساس حقيقي بالمسؤولية.

 

إن نظافة المدن لا تُشترى بالمال وحده، ولا تتحقق بكثرة الشاحنات، وإنما تُبنى بثقافة مجتمعية تجعل من المحافظة على الفضاء العام واجبًا لا يقل أهمية عن نظافة منازلنا.

 

نواكشوط لا تحتاج فقط إلى شركات نظافة قوية، بل تحتاج أيضًا إلى مواطن يعتبر الشارع امتدادًا لبيته، والتاجر يعتبر محيط متجره مسؤوليته، والسلطات المحلية تجعل من النظافة أولوية يومية لا مجرد حملات ظرفية.

 

وخلاصة ما تعلمته من ثلاث سنوات في هذا المجال أن نجاح تسيير النفايات لا يُقاس فقط بكمية ما تجمعه الشاحنات، بل أيضًا بمدى قدرة المجتمع على الحد من الرمي العشوائي والمحافظة على ما تحقق من نظافة.

 

فالشركة تستطيع أن تجمع النفايات، والسلطات تستطيع أن تنظم وتراقب، لكن المواطن وحده يستطيع أن يجعل النظافة سلوكًا دائمًا.

 

نظافة مدننا مسؤوليتنا جميعًا، ولن تنجح أي منظومة تستثني المواطن من معادلة الحل

المهندس عثمان آگجيل

سبت, 31/10/2026 - 23:19