ليس مألوفاً على الإطلاق أن تنتهى عملية انتخابية فى أى بلد إلى نتيجة ضبابية على النحو الذى انتهت إليه الانتخابات الإسرائيلية التى جرت الأسبوع الماضى. الانتخابات، أى انتخابات، تؤول فى المحصلة إلى عملية إحصائية من احتساب الأصوات. يُفترض أن تُفرز الانتخابات رابحاً وخاسراً، أو أغلبية وأقلية. على أن هذا ليس الحال فى الانتخابات الإسرائيلية التى يبدو أن بإمكان طرفيها ادعاء الفوز!
بإمكان نتنياهو أن يدعى الفوز بهذه الانتخابات، أو على الأقل تجنب الخسارة. حزبه، الليكود، حصل على العدد الأكبر من المقاعد (٢٧ مقعداً)، بل وحصلت كتلته اليمينية مجتمعةً على العدد الأكبر من المقاعد أيضاً (٥٤). على أن هذا التفوق العددى لا يكفى لتكوين ائتلافٍ حاكم. يقتضى ذلك الحصول على ٦١ مقعداً على الأقل من بين مقاعد الكنيست التى يبلغ مجموعها ١٢٠ مقعداً. صحيح أن ائتلاف نتنياهو نزف عدداً من المقاعد فى هذه الانتخابات، ولكن أداءه الانتخابى يظل أفضل من المتوقع بكثير من حكومةٍ وقع فى عهدها أخطر الاختراقات للأمن الإسرائيلى (٧ أكتوبر)، ثم دخلت فى حرب متواصلة بلا نهاية على عدد من الجبهات من دون حسم أى منها. ويُضاف إلى ذلك كله ما يواجهه نتنياهو نفسه من اتهامات جنائية. هذه العوامل جميعها كان يُفترض أن تُفضى إلى هزيمة نتنياهو، غير أن هذا لم يحدث. لقد تجنب نتنياهو الهزيمة، وهذا فى حد ذاته يُحسب انتصاراً تحت الظروف التى خاض الانتخابات خلالها.
على الجانب الآخر، يدعى معسكر المعارضة المناهض لنتنياهو (وهو معسكر يضم أشتاتاً من اليمين واليسار لا يجمعهم سوى هدف إزاحة نتنياهو من الحكم) أنه حقق انتصاراً. حصلت الأحزاب اليهودية الصهيونية فى هذا المعسكر على ٤٨ مقعداً، أى أقل من كتلة نتنياهو اليمينية. وبرغم ذلك، وبإضافة الأحزاب العربية التى حققت مفاجأة كبيرة بنسب مشاركة تاريخية وغير مسبوقة (حصلت مجتمعة على ١٩ مقعداً)، يكون لدى المعسكر المناهض لنتنياهو عددٌ أكبر من المقاعد. وباختصار فإن من صوّتوا ضد نتنياهو فى عموم إسرائيل (بإضافة العرب) أكثر ممن صوتوا لصالحه. بهذا المعنى يدعى أنصار المعارضة أنهم حققوا انتصاراً.
على أن انتصار المعارضة المُفترض يفقد أى معنى إذا عرفنا أن قادتها قد تعهدوا بعدم تشكيل ائتلاف يضم الأحزاب العربية. وهنا، يظهر التعقيد الحقيقى للمشهد السياسى فى إسرائيل. إن أحزاب المعارضة التى تصدت لكتلة اليمين التى يقودها نتنياهو فى هذه الانتخابات ليست أحزاباً يسارية. الأغلبية الساحقة من هذه الأحزاب ترفض الدولة الفلسطينية رفضاً واضحاً، بل ترفض الجلوس مع عرب إسرائيل فى ائتلاف واحد. بل إن قائد المعارضة، الجنرال آيزنكوت رئيس الأركان السابق، يُمكن اعتباره يميناً بمعنى من المعانى، إذ يرفض الدولة الفلسطينية هو الآخر. وهناك حزبان فى معسكر المعارضة ينتميان إلى اليمين بوضوح من بينهما حزب أفيجدور ليبرمان الذى يرتكز برنامجه السياسى على إعادة ترسيم حدود إسرائيل لطرد عرب الداخل!










