من أرشيف 2013: الحلقة (2)

ماموني ولد مختار

محطات في مسيرتي الصحفية: عقوبات تعرضت لها وأسرار أكشفها لأول مرة
(الحلقة الثانية)
قبل التطرق إلى موضوعات الحلقة الثانية من هذه المحطات، أود لفت الانتباه إلى ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: سأذكر بالأسماء، كما فعلت في الحلقة الأولى، من سعوا إلى فعل الخير لي. أما الذين سعوا إلى الإضرار بي، ماديا أو معنويا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو اتهموني جزافا، فموعدنا بين يدي مليك مقتدر، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
الملاحظة الثانية: بحكم طبيعة عملي وحبي للتطلع، عايشت عن قرب جميع الأحداث الموريتانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية على مدى أربعة عقود. وأحتفظ، بفضل الله، وبالاعتماد على ذاكرتي القوية، فضلا عن الوثائق والصور، بأرشيف هائل يوثق هذه الفترات. وأسأل العلي القدير أن يقدر لي كتابة ما ينفع الناس من هذا الأرشيف.
الملاحظة الثالثة: تتمثل دوافع نشر نماذج من المواقف التي تعرضت لها خلال مسيرة مهنية امتدت 38 سنة، وهي مواقف يتعرض لها كل شخص في حياته المهنية، وتظل عالقة في ذهنه بحسب طبيعته وطبيعة عمله، في الاستدلال على مدى تعلقي بمهنة الصحافة واعتزازي بها، وبيان حجم المعاناة التي تحملتها في سبيل خدمتها، والتأكيد على شدة أسفي على اعتزالها.
ويخطئ من يظن أنني أريد أن أقدم صورة عن نفسي مغايرة للصورة النمطية التي يحتفظ بها كل فرد عني، سواء كانت إيجابية أم سلبية، لأنني لا أشعر بأن لأحد علي منة تجعلني مطالبا بتبرير مواقف في حياتي المهنية له. كما أنني لم أندم على أي موقف اتخذته، فقد حرصت دوما على أن تكون مواقفي من مختلف القضايا نابعة من قناعاتي وما يرضي ضميري قبل الآخرين، تطبيقا لفلسفتي في الحياة، القائمة على أن الإنسان السوي يجب أن يحترم نفسه قبل أن يطالب الناس باحترامه.
في هذه الحلقة، سأتعرض لنماذج مختلفة من القضايا التي طبعت حياتي المهنية، ومنها:
01 ـ الانضباط المهني والعقوبات التي تعرضت لها
لقد مارست العمل الصحفي من خلال إعداد الريبورتاجات يوميا، دون انقطاع، طوال 38 سنة، ولم أتلق يوما استفسارا عن خطأ في خبر نشرته، أو عن عدم الانضباط، أو عن التخلف عن العمل. بل حصلت على رسائل تهنئة مكتوبة، كما لم أستخدم أي مادة إعلامية خارج إطار النشر المألوف.
وكانت جميع العقوبات التي تعرضت لها بسبب آرائي وكشفي حقائق تزعج السلطة القائمة حينها.
أما العقوبة الأولى، فكانت منعي من الكتابة في جريدة «الشعب»، التي كنت أتعاون معها في إعداد ركن بعنوان «أصداء المدينة»، وذلك سنة 1987، إثر نشري تحقيقا يتعلق بدور الدعارة في نواكشوط.
أما العقوبة الثانية، فكانت أول استفسار أتلقاه في مسيرتي المهنية، وجاء على خلفية طرح سؤال أحرج على وزراء في الحكومة الموريتانية، خلال مؤتمر صحفي، بشأن قرار تخفيض قيمة الأوقية سنة 1992.
أما العقوبة الثالثة، فتمثلت في قرار أصدره والي كوركول بطردي من الولاية التي كنت أعمل فيها مراسلا، خلال تسعينيات القرن الماضي، احتجاجا على الأخبار التي كنت أنشرها عما يجري في الولاية. والغريب أن قرار الوالي صدر بعد أسبوع واحد من حصولي على تهنئة مكتوبة من المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، صنفني بموجبها أحسن مراسل لتلك السنة.
أما أم العقوبات، فكانت طردي التعسفي من العمل بتاريخ 23 مايو 2012، وحرماني من جميع حقوقي بعد 36 سنة ونصف السنة من العمل المتواصل، بسبب تحقيقاتي في الصحافة الحرة عن صفقات الفساد في ظل نظام ولد عبد العزيز، ونشري تصريحاته التي يتهجم فيها على الدول، وكشفي الخلافات داخل الحزب الحاكم.
وأذكر هنا أن ولد عبد العزيز كان قد حاول استغلال حادثة الاعتداء علي خلال مسيرة للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية (FNDD) سنة 2009. فقد قال في خطابه بمناسبة تنصيبه رئيسا لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، خلال مؤتمره التأسيسي بتاريخ 05/05/2009:
«إن الاعتداء على الصحفي ماموني ولد المختار عمل غير أخلاقي، يتنافى مع القيم الديمقراطية والإنسانية، وينم عن وصول القائمين به إلى مرحلة العجز واليأس، وإنني، باسمكم جميعا، أدين هذا الاعتداء وأعلن تضامني مع الصحفي ماموني ولد المختار».
وفي اليوم الموالي، اتصل بي النائب محمد علي شريف، الرئيس المؤقت لحزب الاتحاد من أجل ااجمهورية، قبل مؤتمره التأسيسي ورئيس فريقه البرلماني، وأبلغني أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز يريد لقائي، وأن علي أن أقدم إليه ليحدد لي موعدا للقاء.
فأجبته بأنني أشكره على تضامنه معي، أما لقاؤه في هذه الظروف فلا داعي له؛ لأنني لا أريد أن يستغل حادث الاعتداء علي في التجاذبات السياسية الدائرة بين ولد عبد العزيز وخصومه السياسيين، في سياق الاستعداد للانتخابات الرئاسية.
فكان رد محمد علي شريف:
«تساوي بين ولد عبد العزيز، الذي تضامن معك رسميا، والمعارضة التي اعتدى عليك أنصار ولد داداه؟».
فأجبته قائلا:
«اعتداء أنصار ولد داداه علي هو سبب تضامن ولد عبد العزيز معي ورغبته في لقائي، فلولا ذلك لما ذكرني على طرف لسانه ولا رغب في لقائي».
وفي هذا الموضوع، ألفت الانتباه إلى أنني تعرضت خلال تلك الفترة لأبشع حملة من المعارضة والنظام معا؛ إذ صنفتني المعارضة، في تصريحات لبعض قادتها وبيانات بعض منظماتها، عميلا للنظام، بينما ضغط النظام علي من أجل استغلال قضيتي ضد خصومه. وقد رفضت ذلك، رغم جميع الإغراءات والتهديدات. وعندما اعتقلت الشرطة أحد أفراد شباب حزب التكتل الذين اعتدوا علي، أكدت للشرطة أنه لا علاقة له بالحادث، فأطلق سراحه، مع أنه كان على رأس المعتدين.
وهنا، أسجل اعترافي بالجميل للمدير ولد بونا، المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء حينها، الذي رفض تنفيذ أمر بمعاقبتي أصدره إليه وزير الاتصال. كما أعترف بالجميل لنقابة الصحفيين والمحامين على مؤازرتي، وأخص بالشكر النقيبين الحسين ولد مدو والأستاذ أحمد سالم ولد بحبيني. وأشكر كذلك الأستاذ إبراهيم ولد أبتي على تعهده بمتابعة قضيتي أمام المحاكم دون أن أطلب منه ذلك.
02 ـ المحافظة على سرية المصادر الصحفية
طيلة مساري المهني، لم أفش قط مصدرا طلب مني التكتم عليه.
وأستشهد هنا بامتناعي عن البوح بأسماء النواب الذين نقلوا إلي كلام رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز عن السعودية، خلال لقائه بنواب الأغلبية. وقد نشرت ذلك الكلام في وكالة أنباء نواكشوط، وكان السبب المباشر لفصلي تعسفيا من عملي في الوكالة الموريتانية للأنباء.
وقد طلبت مني جهات رسمية التصريح بمصادري بشأن ما نشرته عن الاجتماع، تفاديا للعقوبة، لكنني رفضت ذلك.
03 ـ طيلة مساري المهني في الوكالة الموريتانية للأنباء، لم أتقلد أي مسؤولية، رغم أنني التحقت بها بعد إنشائها بأقل من سنة، وكنت دوما في طليعة صانعي أخبارها. ويعود السبب إلى عدم استخدامي أية وساطة من أجل الحصول على امتيازات.
وكان أول امتياز أحصل عليه في شهر أكتوبر 2007، عندما عينني المدير العام موسى ولد حامد، وأشكره على ذلك، ضمن فئة المنتجين الكبار، وهو ما خولني الحصول على بعض الامتيازات التي قطعها خلفه في شهر يناير الموالي، سنة 2008، بطلب من مسؤول رفيع في رئاسة الجمهورية، بحجة أنني أدعم المعارضة.
04 ـ عدم السعي إلى التقرب من أصحاب النفوذ ورجال الأعمال
طيلة مساري المهني، لم أصافح قط: محمد ولد بوعماتو، ولا أشريف ولد عبد الله، ولا عبد الله ولد انويكظ وابنه محمد، ولا أمثالهم من رجال الأعمال في البلد، الذين كانت الصحافة تتسابق إلى لقائهم.
كما لم أطرق باب أي مسؤول، مهما كانت مكانته، طلبا لإكرامية أو مساعدة.
والمسؤول الوحيد الذي منحني قطعة أرضية، التي التي أسكنها اليوم في تيارت، كان محمد ولد ديدي، جزاه الله خيرا، إذ سلمني وثيقتها داخل سيارته، أمام قاعة الشرف، دون أن أطلبها منه أو أدخل مكتبه.
05 ـ الالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة
طيلة مساري المهني، لم أقم بأي عمل يخالف القانون الموريتاني أو يتنافى مع أخلاقيات الصحافة، ولم أستغل صفتي الصحفية خارج إطار العمل المهني.
فلم أبرز بطاقتي المهنية ولو مرة واحدة لتسهيل مهمة أو تفادي عقوبة، ولم أستقل سيارتي قط إذا كانت أوراقها غير مكتملة.
06 ـ طيلة مساري المهني، لم أربط أي علاقة بسفارة أجنبية، ولم أدخل أي سفارة إلا في إطار العمل، عندما كنت مكلفا بالقطاع الدبلوماسي في الوكالة الموريتانية للأنباء خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وأذكر هنا أنني كتبت سنة 2011 تحقيقا عن الاستثمارات القطرية في موريتانيا، بعنوان: «استثمارات قطر في موريتانيا: طمع المسؤولين والتحول الدبلوماسي يقفان في وجه تنفيذها». وقد أثار التحقيق غضب النظام، واتهمت بأنني كتبته خدمة للقطريين. كما كتب بعض المعلقين على الموضوع في موقع «تقدمي» تعليقات في هذا الاتجاه.
وقد قال لي الزميل عبد الودود الجيلاني (أبو معتز)، مسؤول الإعلام في السفارة القطرية، إن السفير استدعاه وسأله عما إذا كان يعرف الصحفي الذي كتب التحقيق. فأجابه بأنه يعرفني، فرد عليه السفير بأنه لا يعرفني، وأنني لم أكن من بين الصحفيين الذين يزورون السفارة.
والله يعلم أن السفير كان صادقا؛ لأنني لم أدخل قط سفارة قطر، بل لم أكن أعرف حتى مكانها.
كما رفضت دعوة وجهها إلي السفير السعودي، عندما التقيت به في الملعب الأولمبي، حيث قدمني إليه أحد أصدقائه الموريتانيين بوصفـي الصحفي الذي نقل كلام ولد عبد العزيز عن السعودية.
وقد أبدى السفير أسفه على العقوبة التي تعرضت لها، وأخبرني بأنه تحدث مع ولد عبد العزيز بشأن ما كتبت، فأبلغه هذا الأخير بأنني، بوصفي موظفا في الوكالة الرسمية، لا يحق لي أن أكتب ما كتبت، وأنه سيعالج الموضوع. غير أن السفير، حسب قوله، لم يكن يعتقد أن تكون المعالجة بفصلي من العمل.
ثم طلب السفير من صديقه ترتيب لقاء بيني وبينه، لكنني لم أهتم بالموضوع مطلقا. وعندما اتصل بي صديق السفير لتحديد الموعد، قلت له إنه لا داعي لذلك، لأنني لا أرغب فى لقاء سفير دولة اجنبية.
الى الحلقة الثالثة..
تنبيه مهم:
كل تعليق فيه إساة لأي شخص او يخص علاقاتي وحياتي الخاصة سأحذفه فورا.

أحد, 01/11/2026 - 16:15