لكويرة والمصالح الاستراتيجية للدولة الموريتانية

بقلم: الدكتور محمد باب الحسن

لا يمكن تناول قضية لكويرة بمعزل عن السياق الجيوسياسي للصحراء الغربية ولا عن الاعتبارات الأمنية والاقتصادية التي تحكم موقع موريتانيا في منطقة المغرب العربي والساحل الأطلسي فهذه المنطقة بحكم موقعها الجغرافي الحساس تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية وأمن الحدود والمصالح الاقتصادية والتنافس الإقليمي وتداعيات النزاع القائم حول الصحراء الغربية
ومن هذا المنطلق فإن المقاربة الموريتانية  تجاه لكويرة ينبغي ألا تُبنى على منطق المطالب التوسعية أو الاصطفافات السياسية وإنما على أساس حماية المصالح العليا للدولة وضمان استقرار حدودها ومنع نشوء بؤر توتر يمكن أن تنعكس سلبًا على أمنها الوطني واقتصادها ومكانتها الإقليمية و الدولية 
إن موريتانيا ليست معنية بخلق نزاع جديد حول لكويرة ولا تحتاج إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر للتوتر مع جيرانها بل تتمثل مصلحتها الأساسية في توفير إطار قانوني واضح ومستقر للعلاقات الحدودية بما يحول دون أن تتحول المناطق المتنازع عليها أو الغامضة من الناحية القانونية إلى مصادر لأزمات مستقبلية. 
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية بالنظر إلى العلاقة الجغرافية والاستراتيجية بين لكويرة ومدينة نواذيبو التي تمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد الموريتاني ومركزًا حيويًا للصيد البحري والتجارة والموانئ والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الأطلسي.
وعليه فإن السؤال الجوهري ليس: إلى أي طرف ينبغي لموريتانيا أن تنحاز؟ وإنما: كيف تستطيع الدولة الموريتانية حماية مصالحها الاستراتيجية وصيانة سيادتها وتأمين مجالها الحيوي مع المحافظة على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية؟

تكتسب لكويرة أهمية تتجاوز مساحتها الجغرافية بالنظر إلى موقعها عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو في منطقة تتداخل فيها الاعتبارات الجغرافية والأمنية والاقتصادية مع تعقيدات النزاع حول الصحراء الغربية.
فالمواقع الجغرافية لا تُقاس أهميتها الاستراتيجية بمساحتها وحدها بل بطبيعة موقعها وبالوظائف الأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تؤديها وبمدى تأثيرها في حركة الملاحة والتجارة وإدارة الحدود.
وتنطبق هذه القاعدة على منطقة لكويرة التي يفرض موقعها التعامل معها ضمن رؤية شاملة للأمن الساحلي الموريتاني بدل النظر إليها باعتبارها مجرد نقطة جغرافية معزولة.
فالدول المطلة على المحيط الأطلسي لا تنظر إلى السواحل والموانئ بوصفها فضاءات اقتصادية فقط بل تعتبرها أيضًا عناصر أساسية في منظومة الأمن القومي بالنظر إلى ارتباطها بالتجارة البحرية، واستغلال الموارد السمكية وحماية المنشآت الساحلية ومراقبة الأنشطة غير المشروعة.
وبالنسبة إلى موريتانيا تتضاعف هذه الأهمية بسبب تمركز جزء مهم من النشاط الاقتصادي البحري في نواذيبو فضلًا عن ارتباط المدينة بالمصالح التجارية واللوجستية والاستثمارات الوطنية والأجنبية.
لذلك فإن أي غموض في الترتيبات الحدودية أو الأمنية في المجال الجغرافي المحيط بنواذيبو قد يثير من حيث المبدأ إشكالات تتعلق بتحديد المسؤوليات وإدارة المجال الساحلي والتنسيق الأمني وحماية المصالح الاقتصادية.
غير أن الاعتراف بالأهمية الاستراتيجية للموقع لا يعني تلقائيًا وجود مطالبة إقليمية موريتانية به إذ يجب التمييز بين ضرورة حماية المصالح الوطنية وبين الادعاء بالسيادة على إقليم معين. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الاعتبارات الأمنية المشروعة إلى تأويلات سياسية قد تضر بمصالح الدولة  الموريتانية بدل أن تخدمها.
ترسيم الحدود بوصفه أداة للوقاية من النزاعات
تُعد الحدود الواضحة والمستقرة من أهم عناصر الأمن القانوني بين الدول لأنها تحدد نطاق ممارسة الاختصاص الإقليمي وتساعد على تنظيم العلاقات الثنائية وتقلل من احتمالات سوء الفهم والتصعيد.
ولا تقتصر أهمية ترسيم الحدود على تحديد الخط الفاصل بين مجالين إقليميين بل تمتد إلى تنظيم إدارة المعابر والمجالات البحرية وتوزيع المسؤوليات الأمنية وتيسير التعاون الاقتصادي وتحديد الأطر القانونية للتعامل مع الحوادث الحدودية.
ومن هنا فإن اهتمام موريتانيا بالوضع القانوني والجغرافي المحيط بلكويرة ينبغي أن يُفهم في إطار مبدأ الوقاية من النزاعات لا في إطار الرغبة في تغيير الحدود أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
فالسياسة الخارجية الناجحة لا تنتظر اندلاع الأزمة حتى تتحرك وإنما تعمل مسبقًا على إزالة أسبابها المحتملة وتحديد مواطن الغموض ووضع آليات مؤسسية لمعالجتها 
وإذا كانت هناك إشكالات حقيقية تتعلق بالحدود أو بالاختصاصات الإقليمية والبحرية فإن معالجتها تستوجب دراسة الوثائق التاريخية والقانونية ذات الصلة وتحليل الاتفاقيات والخرائط المعتمدة وتحديد الوضع القانوني لكل منطقة وفق القواعد ذات الصلة في القانون الدولي.
ويجب هنا التأكيد أن ترسيم الحدود لا يمكن أن يتم بإرادة طرف واحد عندما يتعلق الأمر بمجال متنازع عليه أو بحدود تتطلب اتفاقًا بين أطراف معنية. وإنما يستلزم الأمر، بحسب الحالة القانونية لكل منطقة التفاوض أو اللجوء إلى آليات التسوية السلمية المعترف بها دوليًا
وبالتالي فإن المصلحة الموريتانية لا تكمن في إطلاق مطالب غير مدروسة بل في بناء موقف قانوني متين يستند إلى الوثائق والاتفاقيات والوقائع الجغرافية ويهدف إلى منع النزاع قبل نشوئه.

سبت, 24/10/2026 - 06:52