ليست المفارقة أن تستمر السلطة رغم إخفاقاتها في إدارة الشأن العام، بل أن تتسع أسباب الاعتراض من دون أن تتحول إلى قوة قادرة على تغيير شروط الحكم، فتراجع قدرة السلطة على الإقناع لا يعني بالضرورة تراجع قدرتها على الاستمرار، كما أن انكشاف تناقضات السلطة لا ينتج بديلا قادرا على تجاوزها، وبين الأمرين تتحدد المسافة التي يقع فيها مأزق المعارضة: كيف تتحول أزمة السلطة إلى إمكانية للتغيير، بدل أن تظل مجرد دليل على إخفاقاتها؟
لا يكفي، لذلك، أن تسأل المعارضة لماذا تستمر السلطة رغم أزماتها، بل ينبغي أن تفهم الشروط التي تسمح لها بإعادة إنتاج قدرتها على الحكم، والعوامل التي تحول دون انتقال التذمر الاجتماعي إلى قوة سياسية منظمة، فاختلال موازين القوى ليس مجرد واقع تفرضه السلطة على خصومها، وإن كانت تمتلك أدوات مؤسسية ومادية تعزز قدرتها على الاستمرار؛ إنه يتصل أيضا بقدرة المعارضة على تنظيم المصالح المتضررة، وتوحيدها حول أفق سياسي، وبناء استراتيجية تحول الاعتراض من موقف من السلطة إلى قدرة على التأثير في شروط الحكم، وحين تنفصل معرفة الاختلالات عن تنظيم القوى القادرة على تغييرها، تتعدد المواقف من دون أن تتراكم في قوة مؤثرة، ويتسع الحضور السياسي من دون أن يتغير موقع المعارضة في معادلة القرار.
من هنا، لا تُقاس جدوى الفعل المعارض بما ينتجه من مواقف، بل بما يحدثه من تحول في شروط الواقع، فحين تنشغل المعارضة بالاستجابة لتحركات السلطة بدل بناء مسار مستقل عنها، تصبح أجندتها عرضة لأن تحددها المبادرات التي يفترض أن تؤثر فيها، ويتحول النشاط إلى حركة داخل المجال الذي ترسمه السلطة، لا إلى فعل يغير حدوده، والمشكلة عندئذ ليست في عجز المعارضة عن تشخيص الأزمة، بل في أن هذا التشخيص لا يجد طريقه إلى تنظيم سياسي واجتماعي قادر على تحويل التناقضات القائمة إلى موازين قوى جديدة.
وهنا يتحدد معنى الواقعية السياسية، فهي ليست التسليم بحدود الممكن كما ترسمها موازين القوى القائمة، ولا افتراض أن الإرادة وحدها قادرة على تجاوزها، بل فهم المصالح والعلاقات التي تنتجها، وتحديد الوسائل التي تسمح بتغييرها، فالممكن السياسي ليس معطًى ثابتًا خارج الفعل، وإنما يتشكل من تفاعل الشروط الموضوعية مع قدرة القوى السياسية على تنظيم نفسها والتأثير في الواقع، غير أن هذه القدرة لا تنشأ بمجرد إعلان الرغبة في التغيير؛ إنها تحتاج إلى مشروع يفسر الأزمات ويربط بينها، ويحدد أولويات معالجتها، ويقدم بديلًا قابلًا للاختبار والمساءلة. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليست ملفات متفرقة، بل تتقاطع في طبيعة إدارة الموارد، وتوزيع الفرص والأعباء، وممارسة السلطة وحدود مساءلتها، ومهمة المعارضة ليست جمع المظالم في خطاب واحد، بل كشف الروابط التي تعيد إنتاجها، وتحويلها إلى تصور للحكم.
غير أن المشروع، مهما اتسق، يظل محدود الأثر ما لم يجد في المجتمع قوى تحمل مطالبه وتمنحه القدرة على التأثير. فالتراكم النضالي لا يتحول إلى قوة تغيير بمجرد امتداده، بل حين تنتظم حوله مصالح اجتماعية مشتركة، وتجد في السياسة أفقًا يوحدها، وفي التنظيم وسيلة لتحويلها إلى فعل متصل، كما أن التنظيم الذي لا يجمعه مشروع يتجاوز ذاته قد ينغلق على بنيته، ويصبح الحفاظ على وجوده بديلًا عن تحقيق غايته، ومن ثم، فإن بناء البديل يقتضي تحويل التضرر الاجتماعي إلى إرادة سياسية منظمة، وتطوير التنسيق بين القوى المعارضة من تفاهم ظرفي إلى عمل مستمر، وإثبات القدرة على إدارة الاختلاف وترتيب الأولويات والوفاء بالالتزامات، فالثقة بالقدرة على تحقيق البديل عن السلطة القائمة لا تُكتسب بإعلان الجاهزية، بل بإظهار أن التغيير لا يعني مجرد تداول المواقع، وإنما تغيير القواعد التي تُمارَس بها السلطة وتُحدَّد على أساسها المسؤولية.
على هذا الأساس، يتحدد الرهان الاستراتيجي للمعارضة في قدرتها على تحويل نقد إخفاقات السلطة إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تغيير شروط الحكم. فالسلطة تستفيد من امتلاك أدوات القرار وشبكات المصالح التي تدعم استمرارها، بينما لا تستطيع المعارضة موازنة هذه القدرة بمجرد شرعية مطالبها أو صواب تشخيصها، ولا تتحول شرعية الاعتراض إلى قوة سياسية إلا حين تجد تنظيمًا يحملها، ومشروعًا يوجهها، وقوى اجتماعية تستطيع ترجمتها إلى فعل مؤثر، ومن دون ذلك، قد تتراجع قدرة السلطة على الإقناع، فيما تظل قدرتها على الاستمرار قائمة؛ وتتسع المسافة بين ما يفقده الحكم من مبررات وما تمتلكه المعارضة من شروط التغيير.
وهنا يكمن الخطر الأعمق، أن يتحول تعثر المعارضة في تغيير الواقع إلى اعتقاد بأن حدود الواقع هي حدود الممكن، فتخفض سقف مطالبها لا لأنها أعادت تقدير شروط تحقيقها، بل لأنها تكيفت مع عجز أدواتها عن بلوغها، وعندئذ لا يعود اختلال موازين القوى مجرد قيد مفروض عليها، بل يصبح قابلًا لإعادة الإنتاج من خلال ممارستها نفسها؛ لا لأنها مسؤولة عن استمرار السلطة، بل لأنها قد تعجز عن بناء القوة التي تجعل تغيير شروط استمرارها ممكنًا.
فأزمة المعارضة ليست في أنها لم تُحسن وصف الواقع، بل في أنها لم تنجح بعد في تحويل تناقضاته إلى شروط لتغييره.
والمفارقة أن الممكن السياسي قد يضيق بفعل موازين القوى، لكنه يضيق أيضًا حين تتعامل معه المعارضة باعتباره حدًا نهائيًا، بدل أن تجعله موضوعًا للفعل والتغيير، عندها لا تكون المسألة مجرد عجز عن بلوغ الممكن، بل عجزًا عن إعادة بناء الشروط التي تحدد ما هو ممكن أصلا.
صفحة الكاتب: Cheikh Haida










