الكويرة من جديد... ماذا وراء الورقة الموريتانية؟

د. الشيخ يب أعليات

لفت انتباهي، كلما ولجتُ عالم التواصل الاجتماعي هذه الأيام، أن اسم مدينة «الكويرة» يكاد يطغى على غيره من المواضيع المثارة؛ فلا أكاد أتجاوز منشورين حتى أجد ثالثا يُعيد الحديث عنها، تارة من زاوية التاريخ والسيادة، وتارة في سياق سجال موريتاني-مغربي أخذ شيئا من الحدة وتجاوز النقاش الهادئ. 

كل هذا، وكأن منطقة صغيرة، شبه مهجورة، في أقصى الجنوب الغربي من إقليم الصحراء الغربية أصبحت، في ظرف أيام، عنوانا جديدا لحساسية قديمة بين بلدين تجمعهما مصالح وصلات متينة. 

إن ما أثار هذا الجدل، في الأصل، ليس تصريحا موريتانيا يطالب بالكويرة، ولا موقفا رسميا جديدا من النزاع، وإنما إشارة وردت في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير حول الصحراء الغربية. 

تحدث التقرير عن اقتراح موريتاني، خلال جولة المفاوضات التي احتضنتها مدريد في فبراير الماضي، يقضي بــــــــ "إنشاء لجنة تتولى بالتوافق توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه". 

ويبدو الاقتراح، في صيغته، فنيا وهادئا، لكنه فتح بابا واسعا للتأويل؛ فبمجرد أن يطرح موضوع الحدود في هذا الجزء من الصحراء، يعود اسم الكويرة تلقائيا؛ لا لأن موريتانيا أعلنت المطالبة بها، فهذا لم يحدث، وإنما لأن موقعها يجعلها أقرب نقطة في النزاع إلى نواذيبو، وأكثرها اتصالا بالحسابات الموريتانية المباشرة. 

 

 

ولكن، لماذا أثارت هذه الإشارة كل هذا النقاش الآن؟ فهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه هنا.

ولعل جانبا من الإجابة يكمن في أن الكويرة ظلت طوال عقود قائمة في الخرائط أكثر مما هي حاضرة في الحياة اليومية؛ فلا مدينة كبيرة هناك، ولا ثقل سكاني، ولا نشاط اقتصادي يجعلها في واجهة الأخبار، لكنها تحمل وزنا سياسيا يفوق حجمها الجغرافي. 

إن هذا الوزن ليس جديدا؛ فبعد خروج إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975، أدارت موريتانيا القطاع الجنوبي من الإقليم الذي عرف آنذاك بتيرس الغربية، واستمر ذلك إلى أن انسحبت من النزاع سنة 1979 إثر اتفاق الجزائر مع جبهة البوليساريو. 

ومنذ ذلك التاريخ، خرجت نواكشوط من منطق المطالبة الترابية، وحرصت على أن لا تكون طرفا مباشرا في الصراع المسلح، لكنها لم تخرج من الجغرافيا؛ والجغرافيا هنا حاسمة، فالكويرة تقع على الجزء الشمالي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، فيما تقع العاصمة الاقتصادية الموريتانية على الجزء الجنوبي منها. 

ولهذا فإن أي تسوية نهائية لوضع الصحراء لا يمكن أن تكون بالنسبة إلى موريتانيا مسألة بعيدة؛ فما سيحسم في تلك المنطقة سيجري بمحاذاة شريان اقتصادي حيوي يرتبط بالميناء والصيد والمجال البحري والتجارة والأمن. 

ومن هنا تبدو الورقة الموريتانية مفهومة تماما إذا قُرئت من زاوية «المصلحة والأمن»، لا من زاوية التوسع والضم؛ فموريتانيا لا تقول، بحسب النص المتاح، إن الكويرة تابعة لها، بل تطالب بأن تكون الحدود النهائية واضحة ومتفقا عليها حال الوصول إلى تسوية، والفرق بين الأمرين شاسع. 

لكن من السهل، في نزاع مشحون تاريخيا، أن تتحول الإشارة التقنية إلى قضية سيادة، ثم إلى مادة للسجال الشعبي؛ فالمواطن المغربي الذي يسمع اسم الكويرة يستحضر مباشرة قضية الوحدة الترابية، بينما ينظر إليها الموريتاني من زاوية أمن نواذيبو، وحدود البلاد ومصالحها الحيوية. 

وحين تدخل الذاكرة التاريخية إلى النقاش، تضيق مساحة التمييز بين ما قيل فعلا وما فهم منه. 

ومع ذلك، فإن توقيت المقترح الموريتاني يستحق التوقف عنده؛ فالمفاوضات حول إقليم الصحراء الغربية، لم تعد تدور حول مجرد إعادة الأطراف إلى الطاولة، بل هناك حديث متزايد عن شكل التسوية والترتيبات الأمنية والضمانات المتبادلة. 

وعندما يصل النقاش إلى هذه المرحلة، يصبح طرح مسألة الحدود طبيعيا ومشروعا؛ فالدولة التي تجاور الإقليم تحتاج أن تعرف أين تبدأ وأين تنتهي تلك الحدود، لمنع أي فراغ أمني مستقبلي. 

 

إن الدرس الذي غاب وسط هذا السجال هو أن المسألة ليست عودة موريتانية إلى مطالب قديمة، ولا تحولا مفاجئا في موقفها الحذر من النزاع، بل محاولة من نواكشوط لعدم ترك ملف حساس على حدودها المباشرة رهينة للغموض. 

أما الكويرة، فقد عادت إلى الضوء لأنها تقع في النقطة التي تتقاطع فيها كل هذه الأسئلة الحساسة؛ ولهذا لا ينبغي أن يخدعنا هدوؤها الطويل؛ فبعض الأماكن لا تحتاج إلى سكان كثيرين لكي تصبح مهمة، يكفي أحيانا أن تقع في نقطة مفصلية من الخريطة.

 

 

 

ثلاثاء, 20/10/2026 - 21:00