من السجال حول أحادية اللغة إلى بناء معيار وطني يجمع بين الكفاءة والهوية والانفتاح
يثير الجدل الدائر في الفضاء العام الوطني حول المستوى اللغوي لبعض المسؤولين أسئلة تتجاوز الأشخاص المعنيين، وتستحق أن تُناقش بعيدًا عن التجريح والتصنيف المسبق. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان المسؤول يتحدث لغة واحدة أو أكثر، ولا ما إذا كانت لغته الأم هي هذه اللغة أو تلك؛ وإنما تتعلق بكيفية اختيار المسؤولين في دولة لها لغة رسمية، وتعترف بتعدد لغاتها الوطنية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الانفتاح على العالم والاستفادة من أدواته المعرفية والعملية.
ومن المؤسف أن يتحول نقاش بهذه الأهمية إلى مناسبة للتنابز أو التشكيك في الأهلية، بينما الأجدر أن يكون مدخلًا إلى التفكير في معايير اختيار الكفاءات، وموقع اللغة في الوظيفة العامة، ودور التعدد اللغوي في تعزيز الوحدة الوطنية.
إننا، بدلًا من الانشغال بالسؤال عن اللغة التي يتحدث بها هذا المسؤول أو ذاك، أحوج ما نكون إلى طرح سؤال أكثر جدوى: ما السياسة اللغوية التي نريدها لدولتنا، وكيف نجعلها خادمة للكفاءة، ومعبّرة عن هويتنا الدستورية، ومعززة لتماسك مجتمعنا؟
أولًا: الكفاءة أولًا
لا خلاف على أن الكفاءة ينبغي أن تكون أساس اختيار المسؤولين. فلا تستقيم إدارة عامة بتقديم الاعتبارات الشكلية على القدرة على الإنجاز، ولا ببناء المفاضلة بين المرشحين على خصائص لا صلة لها بمتطلبات الوظيفة.
لكن الكفاءة، في المقابل، ليست مفهومًا ضيقًا يقتصر على الشهادات والخبرة الفنية والقدرة على التسيير؛ إنها مفهوم مركب، تتداخل فيه المعرفة المهنية، والقدرة على التواصل، وفهم المجتمع، واستيعاب الإطار الدستوري للدولة، والتمكن من الأدوات اللازمة لأداء المسؤولية.
واللغة إحدى هذه الأدوات، وإن اختلف وزنها من وظيفة إلى أخرى. فقد تكون اللغة الأجنبية ضرورة عملية في بعض المهام الدبلوماسية أو العلمية، بينما تكون القدرة على التواصل مع المواطنين بلغاتهم الوطنية ميزة مهمة في قطاعات الصحة والتعليم والإدارة المحلية والشؤون الاجتماعية.
وعليه، فإن الدفاع عن أولوية الكفاءة لا ينبغي أن يُفهم منه التقليل من شأن اللغة، كما أن الاهتمام باللغات لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الكفاءة.
المطلوب هو وضع كل عنصر في موضعه الصحيح، وتحديد وزنه وفق طبيعة المسؤولية ومتطلباتها.
ثانيًا: العربية ليست مجرد لغة إضافية
ينص الدستور الموريتاني، في مادته السادسة، على أن اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية، وأن اللغة الرسمية هي العربية.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل هو جزء من الإطار الدستوري الذي ينظم العلاقة بين الدولة ولغاتها.
ومن ثم، فإن من حق المجتمع أن يتوقع من مسؤوليه، ولا سيما شاغلي المناصب السياسية العليا، مستوى من الكفاءة في العربية يمكّنهم من أداء مسؤولياتهم الرسمية، وفهم النصوص والقوانين، والتواصل مع المواطنين، والمشاركة في النقاش العام بلغة الدولة الرسمية.
ولا يعني ذلك أن رسمية العربية تبرر انتقاصًا من قيمة اللغات الوطنية الأخرى، أو أن المتحدثين بها أقل أهلية للمسؤولية؛ بل يعني أن الدولة مطالبة بتمكين مواطنيها من لغتها الرسمية، وبأن تكون هذه اللغة حاضرة حضورًا فعليًا في مؤسساتها، لا أن تظل رسميتها محصورة في النصوص.
ومن هنا، يمكن التفكير في اعتماد حد أدنى واضح وقابل للقياس من الكفاءة في العربية، يتناسب مع طبيعة الوظيفة، ويكون شرطًا في المناصب التي تقتضي ممارستها إتقانًا فعليًا لها.
على أن يُبنى ذلك على تنظيم قانوني سليم، يراعي طبيعة المناصب ومبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، ولا يتوسع في الإقصاء بما يتجاوز مقتضيات الوظيفة.
فليس من المنطقي أن نطالب الدولة باحترام رسمية العربية، ثم نتعامل مع القدرة على استخدامها في أداء المسؤولية باعتبارها أمرًا ثانويًا؛ كما ليس من العدل أن نجعلها ذريعة للحكم على المواطنين أو الانتقاص من أصولهم اللغوية والاجتماعية.
ثالثًا: من الاعتراف بالتعدد إلى تشجيع التعدد
إذا كانت العربية تمثل اللغة الرسمية، فإن البولارية والسوننكية والولفية تمثل، إلى جانبها، مكونات من التراث اللغوي الوطني المشترك الذي أقر الدستور مكانته.
والاعتراف بهذا التعدد ينبغي ألا يتوقف عند حدود الاحتفاء الرمزي به، بل يمكن أن يترجم إلى سياسات عملية تشجع المواطنين على تعلم لغات بعضهم بعضًا، وتوسيع فرص التواصل المباشر بين مختلف مكونات المجتمع.
ومن هنا تبرز فكرة تستحق الدراسة: منح ميزة معتبرة، في التقييم المهني أو المفاضلة على بعض المناصب، لمن يثبت إتقانه لغة وطنية أخرى غير لغته الأم.
إن القيمة المقصودة هنا ليست مجرد القدرة على التحدث بلغة إضافية، بل ما يمكن أن تعكسه من استعداد للتواصل مع الآخرين، وفهم بيئاتهم الثقافية والاجتماعية، وتجاوز الحواجز التي قد تنشأ حين تبقى الجماعات اللغوية متجاورة من دون تواصل كافٍ.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا المقترح باعتباره إلزامًا لكل مواطن بتعلم لغة بعينها، أو تفضيلًا لمكون على آخر، أو افتراضًا بأن اللغة الأم تحدد وحدها هوية الفرد اللغوية. إنما هو تشجيع على اكتساب مهارة وطنية إضافية، وفق معايير موضوعية واختبارات عادلة، تكافئ القدرة الفعلية على التواصل، لا الانتماء الاجتماعي.
ولعل من المفيد أن نتصور مستقبلًا تصبح فيه معرفة الموريتاني للبولارية أو السوننكية أو الولفية، إلى جانب العربية، قيمة مهنية واجتماعية معتبرة، لا استثناءً يستغربه الناس أو مناسبة للتفاخر والتجريح.
فكل لغة وطنية يتعلمها مواطن من خارج بيئتها الأم يمكن أن تكون جسرًا إضافيًا بينه وبين مواطنيه، وكل جسر من هذا القبيل يضيف لبنة إلى بناء الوحدة الوطنية.
رابعًا: اللغات الأجنبية رصيد ينبغي تثمينه
ليس الانفتاح على اللغات الأجنبية نقيضًا للاعتزاز بالهوية الوطنية، بل إن حسن توظيفه من مقتضيات بناء الدولة الحديثة.
اولى هذه اللغات هي اللغة الإنجليزية بما تتيح من فرصٍ واسعة في البحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد والعلاقات الدولية، ثم الفرنسية التي تحتفظ بحضور إقليمي مهم. وتظل لغات أجنبية أخرى ذات قيمة بحسب طبيعة التخصص والمهمة والعلاقات التي تتطلبها.
ومن ثم، فإن إتقان لغة أجنبية ينبغي أن يُحتسب ميزة مهنية إضافية، مع مراعاة الحاجة الفعلية إليها.
كما يمكن منح الإنجليزية وزنًا خاصًا في المجالات التي تستدعيها، وتقدير الفرنسية وفق حضورها الإقليمي.
لكن من الضروري ألا نخلط بين قيمة اللغة في ذاتها وبين وزنها في وظيفة محددة؛ فاللغة التي تشكل ضرورة في مهمة دبلوماسية قد لا تكون بالقدر نفسه من الأهمية في وظيفة فنية أخرى. والمبدأ السليم هو أن تتبع الأوزان اللغوية متطلبات العمل، لا الأهواء أو الاعتبارات الاجتماعية.
إن المطلوب ليس إنتاج مسؤول يتحدث أكبر عدد ممكن من اللغات، وإنما مسؤول يمتلك من الكفاءة اللغوية ما يحتاج إليه لأداء مهامه، ويستطيع توظيف ما يتقنه من لغات في خدمة بلده.
خامسًا: هل نطبق هذه المعايير على الموظفين وحدهم أم على المسؤولين السياسيين أيضًا؟
تزداد أهمية هذا السؤال حين يتعلق الأمر بالوزراء والولاة وكبار المسؤولين المعينين سياسيًا.
فالمسؤول السياسي لا يؤدي وظيفة إدارية أو فنية فحسب، بل يمثل الدولة أمام المواطنين، ويشارك في صياغة السياسات العامة، ويتواصل مع المجتمع، ويجسد في سلوكه وممارسته جانبًا من صورة مؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن من المعقول أن يكون إتقان العربية شرطًا أساسيًا للمناصب السياسية العليا التي تقتضي ممارستها استخدامًا فعليًا للغة الرسمية.
كما أن إتقان لغة وطنية أخرى ينبغي أن يحظى بتقدير معتبر، لا سيما في المناصب التي يتطلب أداؤها التواصل الواسع مع المواطنين.
أما اللغات الأجنبية، فينبغي أن تختلف أوزانها بحسب طبيعة الحقيبة الوزارية أو المسؤولية المسندة إلى صاحبها.
ولا يعني ذلك إخضاع التعيين الوزاري لجدول حسابي جامد، أو اختزال الاختيار السياسي في مجموع النقاط.
فالمناصب السياسية تتطلب، إلى جانب المهارات اللغوية، الكفاءة القيادية، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على تنفيذ البرنامج الحكومي، وفهم طبيعة القطاع وإشكالاته.
إن المقصود هو إدخال الكفاءة اللغوية في التقييم الجاد للمسؤولين، وتحديد الحد الأدنى المطلوب منها حيث تكون ضرورية، وتثمين المهارات الإضافية حيث تقدم قيمة فعلية، من دون أن تحل اللغة محل سائر معايير الأهلية.
كما ينبغي أن يظل إقرار أي شرط لغوي ملزم خاضعًا للضوابط القانونية المناسبة، وألا يتحول إلى وسيلة لتوزيع المناصب على أساس الانتماء اللغوي أو الاجتماعي.
سادسًا: نحو نظام وطني للكفاءة اللغوية
يمكن ترجمة هذه الأفكار إلى سياسة عملية تقوم على عدد من المبادئ:
أولها، تحديد متطلبات اللغة العربية بحسب طبيعة الوظائف، مع اعتماد مستوى أدنى واضح للمناصب التي تقتضي إتقانها، وإثبات ذلك بوسائل موضوعية.
وثانيها، إدراج إتقان لغة وطنية أخرى ضمن عناصر المفاضلة في الوظائف التي تستفيد من هذه المهارة، مع منحها وزنًا معتبرًا يشجع على التعلم المتبادل بين المواطنين.
وثالثها، احتساب اللغات الأجنبية كميزة إضافية في الوظائف والمناصب التي تشكل تلك اللغات إضافة معتبرة فيها.
ورابعها، إخضاع هذه المعايير لاختبارات موحدة، وقواعد معلنة، وآليات للتظلم، حتى لا تصبح اللغة بابًا للمحاباة أو التقدير الشخصي.
وخامسها، التمييز بين الوظائف الإدارية والفنية والمناصب السياسية؛ إذ لا يمكن أن تكون المتطلبات اللغوية واحدة في جميع الحالات، كما لا يمكن أن يكون الوزن نفسه مناسبًا لكل وظيفة.
ويمكن أن يبدأ تطبيق هذه المبادئ بصورة تجريبية في بعض مسابقات التوظيف أو الوظائف ذات الاتصال المباشر بالمواطنين، على أن تخضع النتائج للتقييم قبل توسيع نطاقها. أما المناصب السياسية، فيمكن اعتماد معايير إرشادية واضحة تساعد على تقييم الكفاءة اللغوية ضمن منظومة أوسع لاختيار المسؤولين.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا التوجه على التوظيف والتعيين، بل يمكن أن يتكامل مع برامج تعليم اللغات الوطنية، وتطوير قدرات الموظفين، وتشجيع المسؤولين على تحسين مهاراتهم اللغوية، بما يجعل السياسة المقترحة مشروعًا لبناء القدرات لا مجرد أداة للفرز والإقصاء.
خاتمة: من لغة التجريح إلى لغة الدولة
إن النقاش حول اللغات والكفاءة ليس نقاشًا هامشيًا، ولا ينبغي أن يُترك للتجاذبات العابرة. إنه نقاش يتعلق بطبيعة الدولة التي نريد، وبكيفية إدارة تنوعنا الوطني، وبالمعايير التي نعتمدها لاختيار من يتولون مسؤولية الشأن العام.
ولا أرى أن من المفيد أن نسأل عن مسؤول يتحدث لغة واحدة: هل هو مؤهل أم غير مؤهل لمجرد ذلك؟ كما لا أرى أن تعدد اللغات يكفي وحده للحكم بكفاءة مسؤول أو أفضليته.
الأجدى أن نسأل: هل يمتلك الكفاءة المطلوبة؟ وهل يتقن اللغة الرسمية بالمستوى الذي تقتضيه مسؤوليته؟ وهل يمثل إتقانه للغات الأخرى إضافة حقيقية إلى قدرته على أداء مهامه وخدمة المواطنين؟
إن موريتانيا ليست مضطرة إلى الاختيار بين رسمية العربية واحترام تعددها اللغوي، ولا بين الاعتزاز بخصوصيتها والانفتاح على العالم.
بإمكانها أن تجعل هذه العناصر متكاملة، إذا أحسنت بناء سياساتها على قواعد واضحة وعادلة.
إن الدولة الواثقة من هويتها لا تخشى تعدد لغات مواطنيها، والدولة الحريصة على وحدتها لا تكتفي بالاعتراف بهذا التعدد، بل تعمل على تحويله إلى وسيلة للتواصل والتكامل.
ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي أن ننتقل من محاكمة الأشخاص بسبب لغاتهم إلى نقاش وطني رصين حول معايير الكفاءة اللغوية، ومكانة العربية، وسبل تشجيع تعلم اللغات الوطنية، وتثمين اللغات الأجنبية وفق حاجات الدولة والمجتمع.
ذلك نقاش يستحق أن تتناوله النخبة السياسية والفكرية والإدارية، لا بوصفه سجالًا حول أشخاص، وإنما باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لبناء دولة أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر تواصلًا، ووحدة وطنية أكثر رسوخًا.










