بعد ألف يوم ويزيد… أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المستقبل

عائد زقوت

بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، وما خلّفه من إرث ترك أثرًا كبيرًا على صناعة السياسة، فتحوّلت حرب غزة إلى حرب إقليمية وأزمة دولية، أفضت إلى حالة من الاختناق العالمي، ولا تزال تداعياتها مستمرة. وانطلاقًا من قراءة موضوعية لدوافعها ومآلاتها، ومن حق الشعب في المعرفة والاطمئنان إلى المستقبل، نتناول في هذا المقال شقين متكاملين: الأول، قرار الحرب بين المسؤولية والمساءلة؛ والثاني، المسار السياسي ومسؤولية البديل.

 

الشق الأول: قرار الحرب بين المسؤولية والمساءلة

 

في الذكرى الثالثة لحرب غزة، تعيد رسالة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الصادرة في السادس من أكتوبر 2026، طرح سؤال لا يمكن اختزاله في إدانة هذا الطرف أو ذاك؛ فقد أدان غوتيريش هجوم السابع من أكتوبر، وما رافقه من قتل للمدنيين واحتجاز للرهائن، كما أشار إلى المعاناة الفلسطينية الهائلة التي أعقبت الهجوم، ودعا إلى جعل وقف إطلاق النار دائمًا، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي.

 وبين هذه المواقف، تظل المسألة الأهم قائمة: من اتخذ قرار الحرب؟ ومن كان يملك حق اتخاذه؟ وعلى أي تقديرات بُني هذا القرار، ومن يتحمل مسؤوليته السياسية؟

 

لا يتعلق الأمر هنا بإعادة محاكمة الماضي، ولا بمحاولة تحميل طرف مسؤولية أفعال طرف آخر. فمسؤولية الفاعل عن فعله لا تسقطها مسؤولية غيره عن أفعاله. وإدانة ما جرى في السابع من أكتوبر لا تمنح إسرائيل تفويضًا مفتوحًا لما فعلته بعده، كما أنّ إدانة الحرب الإسرائيلية وما رافقها من قتل ودمار وتهجير لا تلغي مسؤولية من اتخذ قرار العملية وما ترتب عليها.

 

وقد اتسع خلال السنوات الثلاث الماضية الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وتزايدت الأصوات المطالبة بإنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، غير أنّ اتساع هذا الاهتمام لا يحسم، في حد ذاته، الحكم على القرار الذي سبق الحرب، ولا يحوّل التعاطف مع القضية الفلسطينية إلى تفويض بالعملية أو بما ترتب عليها.

 

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل كان متخذو القرار يبنون حساباتهم على ما يمكن أن يحدث بعد العملية، بما في ذلك ردود الفعل الدولية والإقليمية، أم على تقديرهم لما تستطيع العملية نفسها أن تحققه؟

 

وهل يجوز أن يُبنى قرار بهذا الحجم على توقعات تتعلق برد فعل الرأي العام الدولي؟ وهل كان في الإمكان تقدير حجم الرد الإسرائيلي، وطبيعة الموقف الأميركي، وموقف الإقليم، والآثار التي يمكن أن تلحق بالمجتمع الفلسطيني، قبل اتخاذ قرار ستكون كلفته أكبر من قدرة أي فصيل منفرد على تحملها؟

 

فخلف ستار الأسئلة والتحليلات والأرقام ، هناك عائلات كاملة أُسقِطت من السجلات المدنية، وأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم ومستقبلهم، ومجتمع كامل يعيش تحت وطأة الصدمة الجماعية، وخطر التهجير.

 

هذه ليست “تبعات” يمكن اختصارها في تحليل سياسي، ولا يمكن ردّها إلى عبارة “لو كنت أعلم” التي وردت في تصريحات لبعض المسؤولين في حماس، بل هي جرح مفتوح في جسد الشعب الفلسطيني، يجب أن يكون حاضرًا في أي حساب للمسؤولية.

 

لا تقف المُساءلة عند الماضي، بل تمتد إلى سؤال الشراكة السياسية ومستقبل النظام الوطني الفلسطيني. فالمشاركة السياسية حق، لكن المُساءلة السياسية حق آخر. والانتخابات وسيلة لإنتاج الشرعية، وليست وسيلة لمحو ما سبقها من قرارات.

 

وليس صحيحًا أنّ الجميع مسؤولون عن كل شيء، وبالتالي لا أحد مسؤول عن شيء؛ بل إنّ الاعتراف باختلاف المسؤوليات هو الذي يجعل الشراكة أكثر صدقًا وأقل قابلية للتحول إلى صفقة لتبادل الحصانة السياسية.

 

ولا يعني ذلك إقصاء حماس أو أي قوة سياسية أخرى من الحياة الوطنية، بل يعني وضع المشاركة في إطار سياسي وقانوني يجعل المسؤولية جزءًا من الشرعية، لا عائقًا أمامها؛ فالمُساءلة لا تعني الغرق في الماضي، بل تحرير الطاقات لمواجهة الحاضر؛ فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لاستعادة الثقة التي بدونها لا يمكن بناء مشروع وطني جامع.

 

وفي هذا السياق، تتداول الأوساط السياسية وتقارير إعلامية احتمالات تشكيل قائمة انتخابية واسعة قد تضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي، إلى جانب قوى يسارية وشخصيات مستقلة. ومن حيث المبدأ، لا إشكال في تقارب القوى السياسية أو خوضها الانتخابات في قائمة واحدة؛ فالتحالفات جزء طبيعي من العمل السياسي، والوحدة قد تكون وسيلة لتجاوز الانقسام، شريطة ألا تتحول إلى غطاء لتجاوز المساءلة أو طمس اختلاف المسؤوليات.

 

فإذا كانت حماس ستشارك في صياغة المرحلة السياسية المقبلة، فمن حقها أن تشارك، ومن حق الشعب في الوقت نفسه أن يسألها، كما يسأل سائر القوى، من اتخذ قرار السابع من أكتوبر؟ ماذا كان متوقعًا منه؟ ما الذي تحقق من أهدافه؟ وما الذي أخطأ أصحاب القرار في تقديره؟ وما السبيل إلى الخروج الآمن من تداعياته ومآلاته، وما مدى استعداد أصحاب القرار للاعتراف بخطايا اجتهادهم، لإفساح المجال أمام عودة المرجعية الوطنية الرسمية إلى الاشتباك السياسي مع إسرائيل بلا معوقات أو عراقيل داخلية؟

 

المشكلة ليست في غياب مرجعية وطنية؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية، وبصرف النظر عن التحفظات على أدائها، تظل الإطار الوطني الجامع المعترف به لتمثيل الشعب الفلسطيني، إلا أنها تعرضت على مدار العقود لعمليات استفراد وتجاوز، سواء من فصائل خرجت عن إطارها واتخذت قرارات مصيرية نيابة عن الشعب دون تفويض منها، أو من إسرائيل التي سعت إلى تجاوزها وخلق بدائل تفاوضية لا تمثل الشعب الفلسطيني.

 

والمطلوب اليوم ليس إصلاح المنظمة بمعزل عن سياقها، بل الاعتراف بها من قبل الكل الفلسطيني، لا سيما الأطراف خارجها، بوصفها الإطار الوطني الشرعي. فاستعادة دورها ليست مسألة شكلية، بل شرط لإعادة بناء القرار الوطني على قاعدة أوسع، عبر ضم الفصائل خارجها، دون محاصصة، وإجراء انتخابات لمؤسساتها؛ ومن دون استعادة دورها والاعتراف الجمعي بها، سيبقى أي قرار مصيري عرضة للاستفراد، وسيبقى الشعب الفلسطيني يُدفع إلى تحمل تبعات قرارات لم يشارك في صنعها.

 

وقد يمنح قرار اللجنة التنفيذية بتأجيل الانتخابات التشريعية، لتُجرى بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، فرصة لتهيئة شروط أكثر ملاءمة لنجاحها، إذا ما أفضت جلسات الحوار المرتقبة إلى الاعتراف الجمعي بمنظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تفعيل مؤسساتها، بما يمهّد لإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة القرار الوطني، والتوافق على مشروع سياسي جامع. غير أنّ اغتنام هذه الفرصة يظل مرهونًا بقدرة الحوار على الانتقال من التفاهمات الفصائلية إلى خطوات عملية تفتح الطريق أمام الانتخابات، وتجعلها مدخلًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

 

ومن هذه الزاوية، يصبح السابع من أكتوبر اختبارًا لمفهوم القرار الوطني الفلسطيني نفسه. فإذا كان فصيل يستطيع أن يتخذ قرارًا بالحرب، ثم يصبح الشعب كله طرفًا في تبعاته، فإنّ المشكلة لا تتعلق بنتيجة القرار وحدها، وإنما بالبنية السياسية التي سمحت بإنتاجه. ولهذا لا يكفي أن نسأل إن كان القرار صائبًا أو خاطئًا، بل ينبغي أن نسأل: ما المرجعية الوطنية التي استند إليها؟ وعلى أي تقدير اتُّخذ؟ وهل كانت حساباته تستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى وردود الفعل الدولية والإقليمية؟

 

ومن ثم فالوحدة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى طريقة لتذويب المسؤوليات، أو تجاوز المساءلة. فلا قرار حرب بلا مرجعية وطنية، ولا قرار مصيري بلا مسؤولية، ولا شراكة سياسية بلا مساءلة، ولا مساءلة بلا مشروع وطني

 

 

بعد ألف يوم ويزيد… أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المستقبل 2-2

إذا كان الشق الأول قد انتهى إلى أنّ المساءلة وحدها لا تكفي، وأنّ استعادة القرار الوطني تقتضي مرجعية جامعة، فإنّ الشق الثاني يتناول كيفية تحويل هذه المرجعية إلى قاعدة للفعل السياسي، تستعيد المبادرة، وتفتح أفقًا قادرًا على صناعة المستقبل، وحماية الحقوق الفلسطينية والسيادة وتقرير المصير، ووضعها في صلب النقاش بشأن مستقبل المنطقة.

 

 

الشق الثاني: المسار السياسي ومسؤولية البديل

 

الرهان السياسي يرتكز على كيفية الانتقال من مساءلة ما حدث إلى بناء ما ينبغي أن يحدث. فالمساءلة ليست استدعاءً دائمًا للماضي، بل شرطًا للانتقال منه إلى مسار قادر على صناعة المستقبل. واستعادة المبادرة السياسية لا تعني القفز فوق المسؤولية، بل تحويلها إلى مدخل لإعادة بناء القرار الوطني وتطوير خيارات قادرة على مواجهة الواقع بدل الاكتفاء بإدارته. والمطلوب أفق سياسي توافقي واقتحامي في آنٍ واحد؛ توافقي في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، واقتحامي في الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة؛ فالسؤال المفصلي ليس فقط من اتخذ قرار الحرب، بل من يملك قرار المستقبل.

 

فترتيب البيت الفلسطيني لا ينبغي أن يصبح غاية تنتهي عندها الحركة السياسية، بل نقطة انطلاق لقاعدة سياسية جديدة قادرة على المبادرة. وهذه القاعدة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ومع الإقليم، ومع النظام الدولي، على أساس واضح من الحقوق والسيادة والمصلحة الوطنية.

 

وفي هذا الإطار يمكن استدعاء صيغ سياسية معروفة في النظام الدولي، من بينها الكنفدرالية، عبر مسارين مختلفين في أطرافهما وشروطهما ومآلاتهما؛ أولهما كنفدرالية ثلاثية تجمع دولة فلسطين والأردن ومصر، وتقوم على استقلال أطرافها وسيادتها، وتنظم علاقاتها المشتركة في إطار مؤسسي يتيح التعاون والتكامل من دون إلغاء الخصوصية السياسية لكل دولة. وينطلق هذا التصور من قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، واستكمال مسار حصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وفق الإجراءات المنصوص عليها في ميثاقها.

 

لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر ينبغي عدم تجاهلها، في مقدمتها الانزياح الديموغرافي الذي قد ينشأ عن التمدد الطبيعي للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتشابكة، بما قد يقود إلى انصهار مجتمعي متدرج، ومن ثم إلى إضعاف الوجود السياسي الفلسطيني تدريجيًا، بما قد يأخذ صورة من صور التهجير الناعم.

 

ولا تكفي الضمانات الدستورية والسياسية وحدها لتبديد هذه المخاطر؛ لأنّ هذه الضمانات، مهما بلغت قوتها، قد تتآكل أو يجري الالتفاف عليها مع مرور الزمن. وقد ينتهي الأمر إلى تشابك يصعب معه الحفاظ على الحدود الفاصلة بين المصالح المشتركة والاندماج السياسي والاجتماعي، بما يهدد استقلال القرار الوطني واستقرار الدول المعنية وصون سيادتها.

وهذه المخاوف لا تعني بالضرورة رفض الفكرة، لكنها تفسر جانبًا من القلق الفلسطيني حيالها، وتطرح سؤالًا أساسيًا، كيف يمكن أن نحافظ على استقلال القرار والوجود السياسي الفلسطيني مع مرور الوقت؟

 

أمّا المسار الثاني، مع إسرائيل، فيختلف في طبيعته وشروطه؛ إذ يمكن للقاعدة السياسية الجديدة أن تطرح صيغة كنفدرالية تقوم على دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، وترتبطان بإطار مؤسسي مشترك ينظم مجالات التعاون والحركة والاقتصاد والأمن والمياه. وهذا المسار، بخلاف الكنفدرالية الثلاثية مع الأردن ومصر، يرتبط مباشرة بطبيعة الصراع مع إسرائيل، وبشروط إنهائه، وبضمانات صون الحقوق والسيادة الفلسطينية.

 

ويمكن للبرنامج السياسي الاقتحامي، إذا اقتضت الضرورة، أن يصل إلى فكرة الفدرالية أيضًا، لا بوصفها بديلًا مفروضًا سلفًا، ولا تنازلًا عن الحقوق، وإنما باعتبارها إحدى أدوات الاشتباك السياسي التي يمكن طرحها إذا كان من شأنها إنهاء الصراع وحماية الحقوق الوطنية. 

 

والفدرالية، بهذا المعنى، تعني قيام دولة اتحادية واحدة تتوزع فيها السلطات دستوريًا بين حكومة اتحادية وحكومات الأقاليم، بما يثير سؤالًا جوهريًا عن كيفية صون الحقوق الوطنية الفلسطينية وضمان الشراكة المتكافئة في السلطة والسيادة. 

 

غير أنّ هذا المسار ينطوي على مخاطر؛ إذ قد يتقاطع، في بعض جوانبه، مع رؤى أميركية وإسرائيلية تسعى إلى أنسنة وأدورة الشأن الفلسطيني، أي تحويل قضية التحرر والحقوق والسيادة إلى ملف إنساني وإداري يُدار وتُخفَّف آثاره، بدل معالجة جذوره السياسية وإنهاء مسبباته.

 

وهنا لا يتعلق الأمر برفض كل صيغة للتعاون أو الترابط المؤسسي، بل بالتمييز بين إطار سياسي ينشأ بإرادة فلسطينية ويحفظ الحقوق والسيادة، وبين صيغة تُستخدم لإدارة الصراع وآثاره، أو لتجاوز القضية الفلسطينية عبر ترتيبات إقليمية لا تضمن إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

 

وعلى المستوى العربي، لا تتعلق المسألة بمجرد الخلاف حول شكل العلاقة، بل بالسؤال الأسبق: هل تحافظ الكنفدرالية الثلاثية على قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، أم تتحول إلى إطار يتقدم على قيامها أو يحد من استقلال قرارها؟ لذلك يظل نجاحها مرهونًا بأن تكون علاقة بين دول مستقلة، لا صيغة تذيب الدولة الفلسطينية في محيطها العربي أو تجعل التشابك الإقليمي بديلًا عن قيامها. فالتكامل لا يكتسب مشروعيته من اتساع مجالاته، بل من قدرته على صون استقلال أطرافه وحماية الحقوق الوطنية ومنع تحول التعاون إلى مدخل لتآكل السيادة.

 

وهنا يبرز سؤال يتجاوز شكل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية إلى موقعها في الإقليم، إلى أي حد يمكن أن ينسجم طرح الكنفدرالية أو الفدرالية مع التصور المتداول لـهندسة “شرق أوسط جديد”، في ظل اتفاقيات أبراهام وما أوجدته من مسارات للتطبيع والتعاون الاقتصادي والأمني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية؟

 

فقد عززت هذه الاتفاقيات بالفعل مسارات من التكامل الإقليمي، بينما يُنظر إليها من زاوية سياسية أخرى على أنها تسعى، بدرجات مختلفة، إلى فصل مسار التطبيع الإقليمي عن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

ومن هنا لا ينبغي أن تدخل الكنفدرالية أو الفدرالية في هذا السياق بوصفهما مجرد حلقة فلسطينية في مشروع إقليمي جاهز، بل بوصفهما خيارين يمكن توظيفهما ضمن مشروع فلسطيني مستقل، يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل من موقع سياسي جديد، ويجعل الاندماج الإقليمي نتيجة لحل القضية الفلسطينية لا وسيلة لتجاوزها.

 

فالفارق كبير بين أن يدخل الفلسطينيون في شرق أوسط جديد وهم أصحاب دولة وحقوق وسيادة، وبين أن يجري بناء شرق أوسط جديد على قاعدة تجاوز القضية الفلسطينية أو إدارة آثارها.

 

ومن ثم، فإنّ الاعتراف الدولي بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو 1967، واستكمال الإجراءات اللازمة لنيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وفقًا لميثاقها، ينبغي أن يشكّلا أساسًا جيوسياسيًا لأي ترتيبات لاحقة كواقع سياسي ملموس على الأرض؛ بحيث لا تتحول أي صيغة كنفدرالية أو فدرالية إلى غطاء لتصفية القضية أو لإعادة إنتاج اختلال ميزان القوة في صورة مؤسسية جديدة.

 

وفي هذا السياق، يمكن أن يكون الاستفتاء الشعبي آلية لإقرار أي اتفاق نهائي، لكن مكانه الطبيعي يأتي عند نضوج الاتفاق وتوافر شروطه، لا بوصفه شرطًا مسبقًا في مرحلة الاشتباك الحالية.

 

الانتظار الطويل ليس وقوفًا في المكان، بل إنّ كسر جموده يقتضي حركة سياسية فاعلة لا تترك المجال للفوضى. ويمكن استدعاء مفهوم الإنتروبيا، في معناه الفيزيائي، استعارة لفهم الجمود السياسي؛ فالأنظمة تحتاج إلى شروط تحفظ استقرارها، وفي السياسة لا يكون الانتظار حيادًا دائمًا، بل قد يتحول، حين تطول حالة الجمود وتغيب المبادرة، إلى فرصة يستثمرها الطرف الأكثر قدرة على الحركة وفرض الوقائع.

 

وفي السياق الفلسطيني، فإنّ استمرار حالة اللا سلم واللا حرب لا يعني تجميد الواقع، بل قد يتيح، مع مرور الوقت، تحولات ديموغرافية وسياسية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية، في اتجاه الأردن ومصر ودول أخرى؛ بفعل استمرار النزوح والضغط المعيشي من جهة، وبفعل تغير أنماط المصالح والعلاقات الإقليمية من جهة أخرى. 

 

ولا يعني ذلك أنّ هذه المسارات ستقود بالضرورة إلى نتائج واحدة، لكن استمرار الجمود قد يهيئ ظروفًا تسمح بفرض وقائع جديدة، قد تتيح لإسرائيل توظيف هذه التحولات في خدمة أهدافها الجيوسياسية والجيواقتصادية، بما يجعل ما يبدو اليوم احتمالًا سياسيًا قابلًا للإدارة واقعًا أشد صعوبة في التراجع عنه.

 

ولذلك فإنّ ترتيب البيت الداخلي جزء من الحل، لكنه ليس الحل كله، ولا يرقى إلى مستوى اللحظة التي نحن فيها، فقد تركتنا الحرب جميعًا على أرض متآكلة سياسيًا؛ والمطلوب طاقة سياسية قادرة على مواجهة التوجهات الإسرائيلية التي تتجه إلى تثبيت الوقائع على الأرض، واستعادة المبادرة، وإعادة الصراع في المنطقة إلى جوهره، على الأرض والسيادة والحقوق.

اثنين, 12/10/2026 - 15:36