أعترف بداية، أنه لا شيء أصعب، ولا أكثر تعقيدا من تحليل القرارات الرسمية في بلاد الله هذه، وخصوصا تعيين الحكومات وتغييرها، واستبدال الوزراء الأول، وحتى الوزراء وكبار المسؤولين، ذلك أنه في العالم "الآخر" يخضع التعيين في المناصب - غالبا - لقواعد منضبطة، كالحضور السياسي، والتصدر الجماهيري، والنجاحات الانتخابية، والقدرات الشخصية، ونظافة اليد والماضي، إضافة لقواعد أخرى مؤثرة أيضا كمراعاة التوازنات السياسية، والاجتماعية، والعرقية، وتأتي التعيينات الحكومية عادة مختتم استحقاقات انتخابية تفرز أسماء متصدرة، وكفاءات معروفة، يتوقع بدرجة كبيرة أن لا يخرج التعيين عن دائرتها.
أما في موريتانيا – والأنظمة المشابهة لنظامنا في إطلاقها ليد الرئيس في كل شيء – فالأمر في النهاية تقدير رئاسي، قد يلغي كل هذه القواعد، وقد لا يكون متاحا قياس بعضها بدقة نظرا لهشاشة المشهد السياسي، وضعف المؤسسية فيه إن لم يكن انعدامها، فغالبية مكونات المشهد السياسي هي أحزاب وكيانات رحل، تنتجع الأوفر فرصا، والأقوى نفوذا، ولا يجمعها ناظم فكري، ولا برنامج مجتمعي، وبالتالي فميزان الأغلبية والأقلية مختل بدرجة كبيرة، ومتحول، وقد يصبح فيه "أكبر الأحزاب" مواليا لشخص، ويمسي وهو يلعنه، أو العكس، وهو على استعداد دائم لتغيير جلده مع كل حاكم. وبالتالي "الحضور السياسي" و"التصدر الجماهيري" يدور حول شخص ويحتكره، وهو من يصنع "الفاعلين" الآخرين أو يقضي عليهم، وقد استقر هذا النموذج الغريب لعقود، وترسخ، حتى أصبح هو الأصل وغيره استثناء.
لذا لا يمكن الحديث عن "منظومة" سياسية تفرز قيادات وتبرز منها شخصيات تحقق بأدائها وقدراتها ما تستطيع به فرض نفسها ضمن المنظومة الحاكمة، وإنما هي في النهاية "منة" شخصية، و"ولاء" شخصي، وعلاقة شخصية ترفعك أو تخفضك.
ومع ذلك، فإن غياب "القواعد" قد يتحول إلى "قاعدة"، تفرض نفسها، وتتم قراءة الأحداث والقرارات بناء عليها، أو اعتمادا على "بدائلها" المستقرة في الممارسة الرسمية لدى حكام البلاد المتعاقبين خلال العقود الأخيرة، فهم في النهاية "خريجو" مدرسة واحدة، وإن اختلفت الطبائع، وأبناء مجتمع واحد، وإن تباينت المؤثرات الذاتية، ويتعرضون لنفس المؤثرات وإن بدرجات متفاوتة من "الانفعال" بها.
ومع أن ولد الغزواني "حاول" أن "يفاجأ" الجمهور ويخرج عن "التوقعات" الغالبة في كل العديد من قراراته، وخصوصا المتعلق بتشكيل الحكومة، فإن هذه المحاولات لم تكلل دائما بالنجاح، وتفاوت فشلها بين تسربها قبل إعلانها، أو ترددها كتوقعات محتملة بدرجات متفاوتة.
واليوم، ومع اقترابه من دخول النصف الثاني من مأموريته الأخيرة، يبدو أن الرئيس غزواني مشغولا بأمرين بين تباين قد يصل درجة التناقض، أولاهما الحفاظ على "التفاف" الناس حوله، وبقائه المقرر الوحيد، والفاعل الأبرز في الساحة حتى لا تتجاوزه الأحداث والجماهير بحثا عن غيره، ووسيلته لذلك هي "إبقاء" موضوع المأمورية حاضرا، وإحاطة رؤيته المتعلقة باستحقاقات 2029 في ثوب من الضبابية يجعل "كبار الداعمين" وهم معروفون بالجبن والتردد يحجمون عن أي خطوة تتجاوزه في انتظار جلاء الصورة. فهم خلقوا لكل شيء سوى المجازفة والإقدام.
والأمر الثاني، هو ترتيب أوراق 2029، وتفادي شرنقة هذه الاستحقاقات الاستثنائية، بهدوء وترو يضمن تجاوز الفخاخ الكثيرة المحيطة بهذا الاستحقاق، وتجنب منزلقاته الخطيرة، وهذا النقطة قد تتطلب في مرحلة ما "تجاوز" المحظور الأول.
وهنا قضية ثالثة، قد تكون دون "محورية" كسابقتيها، لكنها في الحقيقة ليست جديدة، وهي في تفاعلها مع نقطتي "الاحتفاظ بالجاذبية والألق والتأثير"، وتدبير ملف 2029 تأخذ تأثيرا أكبر من تأثيرها الاعتيادي، وقد تتجاوز مجرد الصراع البيني إلى التشوف للخلافة في 2029. وقد فشلت كل المحاولات التي قيم بها لتسقيف هذا الصراع، أحرى وضع حد له.
والحقيقة، أنني كنت أتوقع أن تكون بداية "ترتيب" هذه الأوراق مع منتصف العام القادم، حين يأخذ قطار المأمورية منعطف انتصاف المأمورية، لكن يبدو أن تطورات ما "عجلتها" عن موعدها، وجعلتا تبدأ بشكل مبكر.
لا يبدو لي وجيها قراءة استقالة حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي اليوم ضمن تداعيات تحقيق "حرائق شركة الكهرباء"، وإن تزامن معها، فلا الخلاصات التي توصلت إليه اللجنة تستدعي ذلك، ولا هي تضمنت اتهامات صريحة وإحالات إلى القضاء تستوجب "تفريغ أعضاء الحكومة المشمولين للدفاع عن أنفسهم"، ولا الشارع تعود هذا التفاعل السريع مع التحقيقات، وبالتالي فالأرجح أن الاستقالة جاءت نتيجة تفكير وتحضير بدأ قبل عطلة الحكومة، و"تخمر" خلالها، ومدد أجل التفكير فيه خلال فترة ما بعد العطلة.
وهنا سيكون الرئيس أمام في تعاطيه مع الملفات السابقة أمام ثلاث خيارات لا تتوفر معطيات صلبة لترجيح أحدهما، وهي:
أولا: القضاء على المحاور الحالية: وذلك عبر استبعاد كل الشخصيات الطرفية في الفريق الحكومي الحالي، واختيار فريق جديد لديه فرص أكثر للانسجام، وهذا يعني التخلص من الوزير الأول ومن وزراء السيادة، وهي "ضربة" يستبعد أن يوجهها النظام لنفسه، كما أن نتيجتها غير مضمونة، إذ إن الفريق الحكومي الجديد سيتمايز خلال فترة وجيزة، وينقسم إلى محاور، وغالبا ستحضر أجندات 2029 في هذا التمايز، وستفرض نفسها بقوة مع بداية الاستحقاقات المرتقبة، أي نيابات وبلديات 2028، فمن يريد أن يحسم 2029، عليه أن "يصنع" البرلمان الذي سيحكم به على عينه.
ثانيا: تمكين أحد المحاور واستبعاد الآخر: وهذا يعني الدخول في لعبة الترجيح بين محاور عدة لكل منها "ميزاته" و"إكراهاته"، وتختلف في قوتها ونفوذها وقدراتها السياسية، وفي حجم الأرواق التي تملك. والواقع أن هذا الانحياز يعني بالضرورة الحاجة لتقليم "أظاهر" الطرف المستبعد، ولو بطريقة هادئة، وربما غير مرئية، وقد يترتب على ذلك "صراع" داخلي لا يستبعد أن تتسرب بعد تفاصيله في عصور السيولة. وفي المحصلة يعني الدخول المبكر في معركة قد يكون بالإمكان تأجيلها، والاستمرار في جمع شروطها، وبناء قواعدها قبل أن تحمل اللحظة الحتمية لخوضها، وهي قادمة لا محالة.
ويخضع ترجيح أحد المحاور "وحسم" الخلاف لصالحه لـ"إكراهات" عديدة، و"ثنايات" متقابلة، بين خيار العسكرة والتمدين، والشباب والشيوخ، والثقة الشخصية، والعلاقة المؤسسية، والاحتياط والمجازفة، وغيرها من الثنائيات الواردة في هذا الصراع، وقبل ذلك مدا إمكانية الاستمرار في التحكم في المشهد في ظل توقع تصدع "الكتلة" الحاكمة في كل الخيارات.
ثالثا: هل ينجح التدبير؟
والواقع، أن السياسية في هذه البلاد شبيهة برمالها، فهي متحركة دائما، وسريعة التغير والتكيف، وعديمة الوفاء، وغير مأمونة العواقب، والبناء عليها مجازفة، والاطمئنان إليها خطر. وما أكثر من غرتهم وظنوا أنهم أعدوا للأمور عدتها، وأخذوا احتياطاتها، ثم في لحظة واحدة تلاشى كل شيء، وأدركوا – بعد فوات الأوان – "هشاشة كل ما هو بشري".
يضاف لذلك كثرة الطامحين والمشرئبين للاستحقاق 2029، والساعين لجمع شروط التأثير فيه قبل الوصول إلى محطته، وتشوف كل الجهات التي لديها مصالح أو "مفاسد" في موريتانيا لوضع يد فيها، و"استثمار" هذه اللحظة الاستثنائية لتحقيق بعض أهدافها.
ربما يراد للحوار "المؤجل" منذ نحو ثلاث سنوات أن يشكل أداة "إخراج" ذكية ومرنة لبعض هذه الأجندات، لكنه قد يتحول في لحظة ما إلى "مفجر" لها، وتخرج منه عن السيطرة، فمع اقتراب نهاية المأمورية سترتخي القبضة بالضرورة، ويتقلص النفوذ، ويتراجع التحكم، وتبرز الرؤوس الطامحة، وتشرئب الأعناق، وحينها ربما يضطر الجميع للجميع على المكشوف بدل تبادل الضربات واللكمات بأدوات ناعمة، وخلف الكواليس.










