من “مجرد ضغط” إلى اضطراب نفسي.. متى تصبح الأعراض إنذاراً؟

يعيش الإنسان يوميا تحت ضغوط العمل والدراسة والمسؤوليات الأسرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل القلق والتوتر والإرهاق النفسي جزءا من التجربة اليومية، غير أن الاعتياد على هذه المشاعر قد يجعل البعض يضع مختلف الأعراض تحت مسمى واحد: ضغط، مزاج، مرحلة ستمر حتى عندما تبدأ الحالة في التأثير على النوم والعمل والعلاقات والسلوك، وبين الميل إلى تضخيم كل شعور عابر والاستخفاف بمعاناة قد تحتاج إلى تكفل متخصص، تبرز الحاجة إلى فهم الخط الفاصل بين الاستجابة الطبيعية للضغط والاضطراب الذي يستدعي تقييما طبيا.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الضغط النفسي استجابة بشرية طبيعية للمواقف الصعبة، وقد يكون مفيدا بدرجات محدودة، فيما يمكن أن يؤدي الضغط المفرط إلى مشكلات جسدية ونفسية، خصوصا عندما تصبح أعراضه مستمرة وتؤثر في الأداء اليومي، وفي قراءة طبية لهذه المسألة خص بها الدكتور سيفاقس حاشد، طبيب مختص في الأمراض العقلية ، يوضح  أن الضغط النفسي في حد ذاته ليس مرضا، وإنما هو استجابة طبيعية لمواقف صعبة أو متطلبات الحياة، لكن القلق الطبي يبدأ عندما تصبح الأعراض مستمرة أو شديدة وتتجاوز قدرة الشخص على التكيف، فتنعكس على عمله أو دراسته أو علاقاته أو حياته اليومية.

الضغط الطبيعي.. استجابة مؤقتة لمتطلبات الحياة

الضغط النفسي يرتبط في صورته الطبيعية بموقف أو ظرف محدد مثل الامتحانات، ضغوط العمل، الخلافات العائلية أو الأزمات الشخصية، وقد يشعر الشخص خلال هذه الفترات بالتوتر وصعوبة الاسترخاء واضطراب النوم وتغير الشهية أو صعوبة التركيز، ثم تتراجع الأعراض مع تحسن الظروف أو اكتساب القدرة على التعامل معها، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الناس يستجيبون للضغط بطرق مختلفة وأن استمرار القدرة على أداء المهام اليومية يشكل عاملا مهما في فهم طبيعة الحالة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الضغط جزءا دائما من الحياة النفسية للفرد فتتحول الأعراض من استجابة ظرفية إلى حالة تؤثر في وظائفه المعتادة، وتوصي منظمة الصحة العالمية بطلب المساعدة الصحية عندما يصبح الضغط شديدا أو مزمنا أو يتسبب في تعطيل المجالات الاجتماعية والمهنية وغيرها من مجالات الأداء.

في نفس السياق، يؤكد الدكتور سيفاقس حاشد أن الطبيب لا يعتمد على وجود الحزن أو القلق وحدهما للحكم على الحالة وإنما ينظر إلى شدة الأعراض ومدتها وتأثيرها في الأداء العام، مع استبعاد الأسباب الطبية أو الدوائية الأخرى عند الحاجة، ما يعني أن الشعور النفسي لا ينفصل عن السياق العام للحالة الصحية.

حين تتغير الوظائف اليومية.. يصبح الأمر أكثر من ضغط

تظهر أهمية هذه المعايير في أعراض قد تبدو في بدايتها عادية، أرق متكرر، فقدان التركيز، عصبية، حزن، قلق أو تراجع الرغبة في ممارسة الأنشطة المعتادة، هذه الأعراض قد ترافق فترات الضغط، غير أن استمرارها أو ازدياد حدتها أو تأثيرها في حياة الشخص يجعل تقييمها أكثر أهمية، ويشير المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة إلى أن الأعراض الشديدة أو المزعجة التي تستمر أسبوعين أو أكثر، خصوصا عندما تترافق مع صعوبة النوم و تغير الشهية و فقدان الاهتمام و صعوبة التركيز أو عدم القدرة على إنجاز المهام المعتادة تستدعي طلب مساعدة مهنية.

وفي حالة الاكتئاب تحديدا، توضح المعايير الطبية أن التشخيص يرتبط بمجموعة من الأعراض التي تستمر معظم اليوم، تقريبا كل يوم لمدة أسبوعين على الأقل مع تأثير واضح في حياة الشخص، كما يشير الدكتور سيفاقس حاشد أن القلق والحزن واضطراب النوم أثناء فترات الضغط لا تعني تلقائيا وجود اضطراب، إلا أن تكرار الأعراض واستمرارها ومنعها الشخص من أداء مهامه أو الاستمتاع بحياته والحفاظ على علاقاته يجعل التقييم المتخصص ضروريا.

المعاناة التي قد لا يراها صاحبها

قد لا يدرك الشخص نفسه حجم التغير الذي طرأ على حالته خصوصا عندما تتطور الأعراض تدريجيا، في المقابل، قد يلاحظ أفراد الأسرة أو الزملاء تغيرات واضحة في السلوك والأداء قبل أن يعترف الشخص بوجود مشكلة، ويعدد الطبيب من بين هذه المؤشرات الانسحاب من العلاقات، تغير المزاج أو السلوك، تراجع الأداء الدراسي والمهني، صعوبة تحمل المسؤوليات، اضطراب النوم أو الشهية، زيادة العصبية، فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، إضافة إلى صعوبات التركيز واتخاذ القرارات، وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر عندما تصبح مستمرة وتنعكس على الأداء اليومي.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن اضطرابات الصحة النفسية يمكن أن تؤثر في العلاقات الأسرية والاجتماعية، كما ترتبط بمشكلات في الدراسة والعمل، ما يجعل أثرها يتجاوز التجربة الداخلية للفرد إلى محيطه الاجتماعي والمهني، وتشير المنظمة إلى أن الاضطرابات النفسية كانت تمس نحو 970 مليون شخص عالميا في عام 2019 مع القلق والاكتئاب ضمن أكثر الاضطرابات شيوعا.

حين تتحول التسمية إلى عائق أمام العلاج

في الحياة اليومية، كثيرا ما يجري اختزال المعاناة النفسية في أوصاف اجتماعية مثل دلال، مزاج، عصبية أو ضغط، وقد تبدو هذه العبارات بسيطة لكنها تصبح ذات أثر مختلف عندما تحجب أعراضا مستمرة تحتاج إلى تقييم.

في هذا الإطار، يحذر الدكتور سيفاقس حاشد من أن وصف المعاناة النفسية دائما بأنها دلال أو ضعف أو مجرد مزاج،  قد يدفع الشخص إلى تأجيل طلب المساعدة، مشيرا إلى أن بعض الاضطرابات قابلة للعلاج بينما يسمح التدخل المبكر بتقليل استمرار المعاناة وتفاقم الأعراض وانعكاساتها على الدراسة والعمل والعلاقات.

وتظهر الفجوة العلاجية على المستوى العالمي أيضا، إذ تقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 75 بالمائة من الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل لا يتلقون العلاج، كما تشير إلى أن الاكتئاب وحده كان يصيب نحو 280 مليون شخص في 2019 مع خسارة نحو 12 مليار يوم عمل سنويا بسبب الاكتئاب والقلق.

من الاضطراب النفسي إلى الأعراض التي تمس إدراك الواقع

تختلف الاضطرابات النفسية في طبيعتها وشدتها لذلك يصعب وضعها جميعا في خانة واحدة، فبعض الحالات يغلب عليها القلق أو اضطراب المزاج بينما قد تظهر لدى حالات أخرى أعراض ذهانية تمس علاقة الشخص بالواقع، مثل الهلاوس أو الأوهام أو اضطراب التفكير والسلوك.

ويؤكد الدكتور حاشد أن ظهور هذه الأعراض يستدعي تقييما طبيا متخصصا، موضحا أن الذهان يمكن أن يظهر في اضطرابات مختلفة، كما يمكن أن تكون له أسباب أخرى، منها بعض الأدوية أو المواد أو بعض الحالات الطبية، وبذلك تصبح فكرة “الضغط” وحدها غير كافية لتفسير تغيرات شديدة في الإدراك أو السلوك لأن تحديد السبب يحتاج إلى فحص طبي وتشخيص متخصص.

وتلفت منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات النفسية الشديدة قد ترتبط بعواقب صحية واجتماعية كبيرة، وأن الأشخاص الذين يعانون حالات نفسية شديدة يعيشون في المتوسط أقل بـ10 إلى 20 سنة مقارنة بعامة السكان.

لا تهويل لكل ضغط.. ولا استهانة بمعاناة حقيقية

المعادلة التي يطرحها المختصون تقوم على التوازن، فالحزن والقلق والتوتر استجابات إنسانية طبيعية، ووجودها لفترة قصيرة لا يحول الإنسان تلقائيا إلى مريض، في المقابل، استمرار الأعراض أو شدتها أو تأثيرها في القدرة على الدراسة والعمل والعلاقات يغير طبيعة المسألة ويجعل التقييم المتخصص خطوة صحية لا دليلا على الضعف.

ويختصر الدكتور سيفاقس حاشد هذه المقاربة بالتأكيد على ضرورة النظر إلى طبيعة الأعراض و شدتها و استمرارها و السياق الذي ظهرت فيه ومدى تأثيرها على حياة الشخص ووظائفه اليومية،  وعندما تظهر أعراض ذهانية أو تغيرات سلوكية شديدة أو أفكار مرتبطة بالموت أو الانتحار أو إيذاء النفس، تصبح الحاجة إلى التدخل الطبي عاجلة.

وبين اعتبار كل معاناة مجرد “ضغط” وبين تحويل كل شعور عابر إلى مرض، تبقى المساحة الأهم في القدرة على ملاحظة التغيرات التي تطرأ على حياة الفرد، فعندما يستمر القلق أو الحزن أو الأرق وتتسع انعكاساته إلى العمل والدراسة والعلاقات والسلوك، يصبح التقييم المتخصص ضرورة لفهم ما يحدث وتحديد طبيعة الحالة وسبل التكفل بها، فالانتباه المبكر إلى الأعراض قد يكون الخطوة الأولى نحو العلاج، فيما يبقى التشخيص مهمة الطبيب المختص بعيدا عن الأحكام والتفسيرات التي قد تؤخر طلب المساعدة.

نقلا عن الأيام بتصرف بسيط

ثلاثاء, 29/09/2026 - 16:07