نعم، ليس هناك أمة على وجه هذه الأرض نهضت من كبوتها، أو تقدمت وأصبحت من الأمم الناهضة الغنية من دون علم، والعلم لا يأتي من دون جودة تعليم، وجودة التعليم لن تتوفر من دون معلمين مؤهلين.
بدايات التعليم وكسب العلم وترسيخه في ذهن الطالب لا تكون من الثانوية ولا من الجامعة، ولا حتى من الدراسات العليا، بل من المرحلة الابتدائية، لأنها اللبنة الأولى والأساسية التي سيُبنى عليها التعلم إلى آخر مراحله، ولهذا فمُعَلِّم هذه المرحلة هو الأهم على الإطلاق في مسيرة التعلم. مُعَلِّم هذه المرحلة يجب أن يكون على درجة عالية من الكفاءة والخبرة تمكّنه من إيصال المعلومة المفهومة وترسيخها في ذهن الطالب.
الأمم الناهضة تستفيد من تجارب مَن سبقوها وخبراتهم ونجاحاتهم، وهذا ليس عيباً. هناك أمم تقدمت وتطورت بسرعة عجيبة عندما اقتنعت بأن جودة التعليم هي المحرك الأساسي لأي نهضة اقتصادية وصناعية واجتماعية، هذه الأمم استثمرت لمستقبلها عبر بوابة التعليم فتحوّلت إلى قوى اقتصادية عالمية.
كوريا الجنوبية إحدى هذه الأمم، تحولت من الفقر إلى عملاق صناعي، تحولت بعد الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي من أفقر دول العالم، رغم افتقارها تماماً للموارد الطبيعية، فبدأت بتوجيه معظم ميزانيتها نحو بناء نظام تعليمي صارم، وركزت على العلوم والتكنولوجيا والهندسة، فحوّلت مخرجات تعليمها إلى أحد أكبر اقتصادات العالم وأحد رواد التكنولوجيا.
أما سنغافورة فكانت عند استقلالها سنة 1965 مجرد جزيرة صغيرة، بلا موارد طبيعية ولا حتى مياه للشرب، وكانت تعاني الفقر والبطالة والنزاعات العرقية، إلا أن عقلية وتصميم وإرادة قائدها «لي كوان يو» اعتمدت على قناعة بأن الإنسان هو ثروة بلده، فركّز أولاً على تدريب المعلمين وتأهيلهم، وعلى تطوير منهج الرياضيات، إلى جانب إتقان اللغة الإنكليزية لتسهيل الترابط مع الغرب، فأصبحت سنغافورة واحدة من أكثر مراكز المال والأعمال في العالم أماناً وثراءً.
أما شقيقتنا قطر فهي المثال الخليجي والعربي الوحيد الذي يجب أن نفتخر به تعليمياً، فقطر تحتل المركز الأول عربياً في جودة التعليم الأساسي والثانوي، وتقع ضمن أفضل 10 إلى 15 دولة عالمياً، وتصدرت المركز الأول عالمياً في التعليم الريادي المدرسي لقياس مدى غرس مهارات الابتكار والمبادرة لدى طلاب المدارس. قطر استقطبت فروع أعرق الجامعات، واستعانت بخبرات وكفاءات تعليمية عالمية، وأنفقت بسخاء على التعليم مع التشديد على جودة مخرجاته، وليس على تفوق وهمي لا يستقيم والعقل.
هذه دول، ومنها اليابان وفنلندا، اقتنعت بأن الاستثمار في العقل البشري مردوده يفوق عوائد الاستثمار في الموارد الطبيعية المحدودة، وأدركت أن العلم هو الذي يُحوِّل المادة الخام الزهيدة الثمن إلى تقنيات وصناعات متطورة تُباع بأضعاف تكلفة إنتاجها، وأن النهضة الحقيقية تبدأ دائماً من قاعة الدرس.
ولذلك نقول: إن إصلاح التعليم لا يتم بزيادة الرواتب، بل باختيار ذوي الخبرة والكفاءة، أما زيادة الرواتب والحوافز المادية والمعنوية فيجب أن توجه لمعلمي التخصصات النادرة فقط.










