لم يكن حديثي السابق مجرد وقفة تأبين للرئيس المصري “جمال عبد الناصر” فرضتها الذكرى، ولا كان هدفه دفاعا عنه برغم أن هذا واجبنا نحوه ونحو كل القادة الذين كانوا أوفياء لأمتهم.
ولم يكن الحديث الطويل تمجيدا للزعيم الراحل في 1970 أراه جديرا به، كما كان بعيدا عن التلذذ بلوْك أخطائه التي أصبحت، في هذا الزمن الرديء، رأسمال من مالَ ولا يملك مال.
ولقد أوضحت هدفي في ختام الحديث وقلت: ” التيار الإسلامي لم يغفر لعبد الناصر ما قام به ضد حركاته، وتوارثت عناصره كرها للرئيس المصري أصبح حقدا متأصلا في النفوس، وكان من نتيجة المواقف التي نتجت عنه تبلور كُرْه مضاد في الجانب المقابل، استفادت منه كل التوجهات التي تكره الجانبين معا.
وفعَل الشنآن فعله بين التيار الإسلامي والتيار القومي، ودفع الوطن العربي الثمن مضاعفا، وهذه هي خلفية هذا الحديث لمن يعتبر”.
كان هذا ما قلته بالأمس، وكانت الصورة التي أراها عن مسيرة الوطن العربي مع كثيرين، بكل حسرة وألم، لا تختلف عن صورة ما ارتكبه “ملوك الطوائف” الذين أضاعوا الأندلس.
وهكذا عشنا وضعية عرفنا فيها أمراء للطوائف “السياسية”، حكومات وأحزابا وحركات سياسية، مارسوا مثل ما ارتكبه ملوك الطوائف وقضى على الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية رسمياً في الثاني من يناير عام 1492م بعد نحو ثمانية قرون.
ولم يقتصر الأمر عندنا على التناقض، الدموي أحيانا، بين التيار الإسلامي والتيار القومي، بل تعدى ذلك إلى تناقضات في إطار التيار القومي نفسه، بدون أن ننسى إحياء البعض لأحداث الفتنة الكبرى بإشعال فتيل الصراع المذهبي بين السنة والشيعة، ناهيك من الانزلاق إلى تحالفات مع العدوّ التاريخي، وبصورة لعلها أسوأ مما حدث في الأندلس.
ويذكر القراء الأفاضل أنني طالبت منذ عدة سنوات، وأكثر من مرة، بوقفة نقد ذاتي جماعية رأيتها ضرورة حيوية للخروج بالأمة من وضعية أصبحنا فيه “عًرّة” تاريخية، وأصبح من في وجهه دمٌ يشعر بالخجل وهو يرى رئيس وزراء دولة أوربية يقف وقفة رجولة لم يقفها عدد من قادة الأمة التي كانت بعض نخبها تتغني بأنها ذات رسالة خالدة.
وتابعنا انتفاضات جماهيرية في الغرب الاستعماري تندد بالإجرام الصهيوني وترفع أعلامَ عزة وكرامة ونضالٍ منعت دول عربية شقيقة رفعها على أرضها بل وجرّمت من لوّح بها، وإلى درجة أن بلدانا شقيقة اتخذت موقف العداء حتى من “الكوفية” الفلسطينية، وراح بعض ممثليها ينددون في الأمم المتحدة بأهم ما يجب أن يفخر به الوطن العربي، وهو المقاومة البطولية ضد الكيان الصهيوني.
وأعترف هنا أن الممارسات الجزائرية هي التي تُشجعني على الحديث.
ففي 19 يونيو 1965 قامت مجموعة من القيادات الوطنية بعزل الرئيس الجزائري “أحمد بن بله” لأسباب كان لها ما يبررها أو يُفسرها، قبلنا ذلك اليوم أم رفضناه.
ونظرا للوضعية التي كانت تعرفها البلاد آنذاك، وبتأثير ما أشيع من أن هناك محاولات لاختطاف الرئيس بن بله، كما حدث يوما مع “بينيتو موسوليني”، واستعماله ضد النظام الجديد، وبعد مواقف اليسار الرافضة للتغيير مثل الرئيس فيديل كاسترو، وبعد زيارة المشير عبد الحكيم عامر للجزائر التي قيل أنها كانت سوف تعرض “استضافة” بن بله في مصر، هناك فرض ستار حديدي من التعتيم على بن بله، الذي وضع تحت الإقامة الجبرية لسنوات طويلة في فيللا “هولدن”، في إحدى ضواحي الجزائر.
وسُمّيَ الحدث بالتصحيح الثوري، وكان من السذاجة أن نطالب قادته باعتباره انقلابا، برغم أنه كان كذلك وبغض النظر عن ضرورته آنذاك، بعد أن وصل الاختلاف إلى حدّ الخلاف، وأصبح الوضع يدفع طرفا إلى الغداء بالطرف الآخر قبل أن يتعشى هذا به، بتعبير الرئيس الأسبق “علي كافي”.
وبرغم أن هناك من يقارن بين ما حدث للرئيس بن بله وما حدث قبله في مصر للرئيس “محمد نجيب”، وهي مقارنة غير دقيقة، فإن الرئيس بن بله كان يعامل معاملة لائقة برئيس سابق، وكانت التعليمات أن يكون حراسه من الضباط المثقفين، وخصوصا من هواة كرة القدم التي كان بن بله يحب ممارستها، لكن هذا لا يقلل من الشعور بالأسف لما عاناه الزعيم الذي ارتبط اسمه دوليا بالثورة الجزائرية، ولا يمكن أن يُقبل كتبرير لما تعرض له، حتى ولو كان هناك من الأسباب ما يُفسّر ذلك.
ومرت السنوات، واستعاد بن بله حريته بإجراء نفذه الرئيس “الشاذلي بن جديد” إثر مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني في 1979، كما كان مقررا قبل وفاة الرئيس بو مدين في ديسمبر السابق.
وبعد إقامة قصيرة في ولاية “مسيلة” مُنح الرئيس بن بله “فيللا” في حيّ “حيدرة” بالعاصمة وتقرر بمرسوم رئاسي منحه مرتب رئيس دولة، ووضعت تحت تصرفه وسائل الراحة الضرورية من سيارات وحراسة رسمية إلى غير ذلك.
وتجلت عظمة بن بلة يوم رفض تسلم جهاز تلفزة ملون أرسل له كهدية من الرئيس “تيتيو” في منتصف السبعينيات، وأبلغ الرئيس اليوغسلافي بأن لديه كل ما يحتاج له من وسائل الترفيه.
وأتذكر أنني زرت بن بله يوما مع رئيس المجلس الوطني السابق “عبد العزيز بلخادم”، وقلت له يومها، وأنا أعرف أنه يعرف ارتباطي بالرئيس بو مدين: سيادة الرئيس : لقد عملتُ إلى جانب الرئيس بومدين نحو ثمان سنوات، وأشهد أنني لم أسمعه يوما يتناولك بما يسيئ لك.
وكان تعليق الرئيس بن بله: “سي” بومدين رجل وطني (والذين يعرفون الجزائر يدركون معنى استعمال “سي” قبل الاسم).
وكان حديث بن بله في برنامج “شاهد على العصر” عن الرجل الذي عزله في مستوى عظمة الثورة الجزائرية.
وتمر السنوات ويُصدر الرئيس عبد العزيز بو تفليقة قرارا بإلغاء الاحتفال بيوم 19 يونيو، في حين أن بو تفليقة نفسه كان في طليعة من قاموا بالتصحيح الثوري.
وثارت ثائرة من يعتبرون أنفسهم من عشاق بو مدين، والذين لم يدركوا أن ذلك هو منطق المصالحة الوطنية التي عمل لها الرئيس “اليمين زروال” وبعده الرئيس بو تفليقة.
وأصبحنا نشاهد أمرا لا تعرفه بلدان شقيقة كثيرة، وهو اجتماع الأحياء من رؤساء الجزائر السابقين حول الرئيس بو تفليقة، ومن بينهم بن بله والشاذلي بن جديد (الذي “أستقيل” في الظروف المعروفة) وعلي كافي (خصم بن بله الشهير الذي كان بن بله يرفض مصافحته).
ولم يتوقف الأمر على الساحة الوطنية عند هذا الحد.
فقد بدأت تحركات تعيد لأبِ الوطنية الجزائرية، “الحاج مصالي”، وجوده على الساحة بعد طول إقصاء.
وللعلم فإن أنصار مصالي المنضوين تحت لواء الحركة الوطنية الجزائرية واجهوا مناضلي جبهة التحرير الوطني التي قادت الثورة في نوفمبر 1954 متخطية مصالي، وكان ثمن المواجهة صراعات دموية فرضتها ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية المطلقة في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
وعرفت السنوات التي تلت استرجاع الاستقلال اختفاء اسم مصالي تماما، انطلاقا من أن جروح المواجهات خلال الثورة لم تكن قد التأمت.
وقال لي الرئيس بو مدين وأنا أبلغه بوفاة مصالي في 1974 : بيننا وبين هذا الرجل أنهار من الدماء.
ثم فرض منطق المصالحة الوطنية نفسه، وعاد وجود الزعيم الراحل إلى صفحات الجرائد وبرامج التلفزة، وأطلقت الجزائر اسم مصالي على مطار دولي غرب الجزائر، وبدأت ترتفع أصوات تطالب بنقل رفات مصالي إلى مقبرة العالية في العاصمة الجزائرية، لتدفن إلى جانب قبور قادة الثورة من رجال جبهة التحرير الوطني، والرؤساء هواري بو مدين ومحمد بو ضياف ورابح بيطاط والشاذلي بن جديد وعلي كافي.
وللعلم وللتاريخ، فإن مقبرة العالية تقع على أرض تبرعت بها ثرية جزائرية من “أولاد نايل” هي السيدة “العالية حمزة” في 1928 لتكون وقفا إسلاميا لدفن الموتى مجانا، ويوجد بها اليوم مساحة رسمية بها ضريح الأمير عبد القادر الذي جاء الرئيس بو مدين برفاته من دمشق في 1966، ليكون الضريح معلما تاريخيا تلتف حوله قبور العديد من رفات شهداء الثورة وقادتها، ومنهم من كان يقف موقف عداء تجاه الآخر وصل أحيانا إلى حدّ التصفية الجسدية، لأن الثورة لم تكن نزهة كشفية، ولأن القاعدة كانت مواجهة أي إخلال بوحدة الصف أو هيبة القيادة بأقصى العقوبات الرادعة، ووصل الأمر إلى أن هناك من أعدم لأنه كان يدخن “سيغارة” متجاهلا قرار الثورة بمنع التدخين الذي كانت تستفيد منه شركة التبغ الفرنسية.
والمهم هو أن الهدف الذي عمل له بو مدين هو أن تكون المقبرة رمزا للوحدة الوطنية، وعند رب العزة يلتقي الخصوم.
ويبقى أن أقول اليوم : رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر وغفر له، وأطرح السؤال الذي يقف وراء حديثٍ طويل آخر، فشلتُ في اختصاره.
ما الذي يمنع قيام نخب وساسة الوطن العربي بمصالحة مماثلة لما تم في الجزائر.
ألم يَعُدْ في الأمة رجل رشيد؟.
نقلا عن رأي اليوم










