قال القيادي في حزب الإنصاف ومنسقه في ولاية اترارزة، با عثمان، إن موريتانيا التي ينبغي العمل من أجلها هي «موريتانيا قوية بإرادة شعبها وخياراته، موحدة في تنوعها، ومصممة على صون تماسكها الاجتماعي ووحدتها الوطنية».
وأضاف با عثمان، في مقابلة موسعة مع مجلة «Le Rénovateur»، أن المطلوب هو بناء موريتانيا يتعزز فيها العيش المشترك، وتتخلص من الاختلالات الاجتماعية، وتترسخ فيها المواطنة الكاملة، مع الحفاظ على القيم المجتمعية وتعزيزها.
وتناول با عثمان في المقابلة سؤال «أي موريتانيا نريد؟» الذي طرحه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إضافة إلى الحوار الوطني المرتقب، والإصلاحات الدستورية والمأموريات، والتحولات الاجتماعية والجيوسياسية، والمواطنة والعيش المشترك، والمدرسة الجمهورية، واستغلال الموارد الطبيعية، والتنمية المحلية والبرامج الجهوية.
موارد محولة وفرص متكافئة
وقال با عثمان إن موريتانيا المنشودة ينبغي أن تكون قادرة على تثمين مواردها الطبيعية وتحويلها، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام، إلى جانب جعل تكافؤ الفرص واقعا ملموسا، خصوصا من خلال ضمان وصول الجميع إلى المدرسة.
وربط هذا التوجه بمشروع «المدرسة الجمهورية»، معتبرا أن إتاحة التعليم للجميع وتحقيق المساواة في الفرص يشكلان أحد أهدافها الأساسية.
وأضاف أن برنامجي الرئيس الانتخابيين «تعهداتي» و«طموحي للوطن» يتضمنان بالفعل عناصر من الإجابة عن سؤال «أي موريتانيا نريد؟»، وأن الدعوة الحالية إلى التفكير في مستقبل البلاد تأتي ضمن هذا التصور.
المواطنة فوق الاعتبارات الخاصة
وقال القيادي في حزب الإنصاف إن طرح الرئيس سؤال «أي موريتانيا نريد؟» يعكس، من وجهة نظره، استمرارية في رؤيته ومنهجه في الحكم القائمين على الإدماج.
واستحضر إعلان غزواني ترشحه للرئاسة في مارس 2019، حين أكد أنه لن يبدأ من الصفر أو يلغي ما تحقق في السابق، مع الإقرار بأن الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد ساهمت، بدرجات متفاوتة، في بنائها.
واعتبر با عثمان أن هذا التصور ينطلق من أن موريتانيا ينبغي أن تُبنى بمشاركة جميع أبنائها، رابطا بذلك إشارة الرئيس إلى الرئيس المؤسس الراحل المختار ولد داداه خلال خطابه في أطار يوم 20 سبتمبر الجاري.
كما استحضر مهرجان المدن القديمة في وادان خلال 2020-2021، حيث دعا الرئيس، وفق حديثه، إلى التخلص من أشكال الجمود الاجتماعي التي تعرقل المواطنة وتغذي هويات خصوصية لا تنسجم مع القيم الجمهورية.
وقال إن الرؤية التي طُرحت حينها تقوم على العدالة والإدماج والقبول المتبادل والعيش المشترك، وتجاوز الاعتبارات المرتبطة بالمكانة الاجتماعية، بحيث تكون الأولوية للمواطنة.
وأضاف أن هذا التوجه تعزز كذلك من خلال «نداء جول» القائم على العيش المشترك والجمهورية الوطنية، معتبرا أن سؤال «أي موريتانيا نريد؟» يأتي في السياق نفسه، ويهدف إلى وضع الروح الجمهورية فوق الاعتبارات الخاصة.
استباق تحولات العالم
وربط با عثمان هذه الدعوة كذلك بالتحولات التي تشهدها موريتانيا ومحيطها، قائلا إنه يلمس في مداخلات الرئيس اهتماما بمستقبل البلاد في مواجهة التحولات الاجتماعية والجيوسياسية.
وأضاف أن أحد الأسئلة المطروحة يتعلق بما ينبغي أن يتركه الجيل الحالي للأجيال المقبلة من تماسك اجتماعي وعيش مشترك وقيم أساسية، معتبرا أن هذه المقاربة تأخذ الماضي والحاضر والمستقبل في الاعتبار.
وقال إن المطلوب أيضا تنمية الشعور بالمسؤولية لدى المواطن، بما يشمل قبول الآخر واحترام القيم المشتركة وفهم الاختلافات والمساهمة في بناء البلاد.
وأشار إلى أن هذه المقاربة فتحت، حسب تعبيره، مساحة للحوار مع المعارضة، لافتا إلى أن بعض فاعليها يقرون بانفتاح الرئيس واستعداده للاستماع.
النخبة والسيادة
وتوقف با عثمان عند التحولات الدولية وإعادة تشكل النظام العالمي، معتبرا أن الظرف الدولي أصبح أكثر غموضا ويشهد تغيرات عميقة تفرض على كل طرف إدراك مسؤوليته.
وقال إن النخبة، باعتبارها إلى حد ما «ضمير المجتمع»، مطالبة بالتفكير في التحديات الاجتماعية والسياسية، وفي إعادة تشكل النظام العالمي.
وطرح في هذا السياق سؤال النموذج الذي يتعين على موريتانيا بناؤه للمحافظة على سيادتها بمختلف أبعادها، معتبرا أن البلاد مطالبة باستباق التحولات بدلا من انتظارها والتعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
الحوار ونموذج الحكم
وقال با عثمان إن الحوار الوطني المرتقب ينبغي أن يتيح للطبقة السياسية والنخبة وعموم المواطنين التفكير في تطوير نموذج الحكم في موريتانيا وتكييفه مع التحولات العالمية والطموحات الوطنية.
وشدد على أن الشعب، في أي نظام ديمقراطي، ينبغي أن يظل «الحكم والمستفيد» من التغييرات التي تستهدف تطوير البلاد، وألا يتحول إلى رهينة للخلافات داخل طبقة سياسية قال إنها قد تتغير أحيانا في مبادئها ورؤيتها.
وأضاف أن دولا عديدة تعمل حاليا على تكييف مؤسساتها وسياساتها العمومية مع حقائق جديدة، معتبرا أن موريتانيا لا يمكن أن تبقى خارج هذه الديناميكية.
الدستور والمأموريات
وفي رده على سؤال حول الإصلاحات الدستورية التي دخلت النقاش السياسي خلال الفترة الأخيرة، قال با عثمان إنه يفضل الإجابة عن الموضوع «بصفته مواطنا».
وأشار إلى وجود أصوات تتهم بعض تشكيلات الأغلبية بالسعي إلى إدخال الإصلاحات الدستورية في النقاش، متسائلا عما إذا كان الدستور الموريتاني ظل على حاله منذ الاستقلال، ومذكرا بأنه عرف تعديلات متعددة.
ورأى أن هذه التعديلات جاءت، من بين أسباب أخرى، استجابة للحاجة إلى ملاءمة القانون الأساسي مع تطورات المجتمع والبحث عن توافقات حول قضايا المصلحة العامة.
وتساءل با عثمان عما إذا كان المجتمع الموريتاني «ساكنا أم ديناميكيا»، معتبرا أن هذا السؤال ينبغي أن يكون جزءا من النظر في القضية.
وأكد أن النقاش لا يقتصر على مسألة المأموريات، مشيرا إلى أن بعض المواطنين يتساءلون عن سبب بقاء الدستور دون تغيير، فيما يدعو آخرون إلى مراجعته لمواكبة تطورات المجتمع ومتطلبات العيش المشترك.
وأضاف أن بعض الآراء تذهب أبعد من ذلك، وتقترح وضع دستور جديد أكثر ارتباطا بتاريخ البلاد، في إطار ما وصفه أصحاب هذا التوجه بمنطق «إعادة تأسيس موريتانيا».
مقترحات من المعارضة
وأكد با عثمان أن مقترحات الإصلاح الدستوري لا تأتي من الأغلبية وحدها، مشيرا إلى أن بعضها يحمله أيضا فاعلون في المعارضة، ومعتبرا أن التعبير عن هذه الآراء أمر مشروع في مجتمع ديمقراطي.
وقال إن السلطة والطبقة السياسية لهما دور طبيعي في أي مسار للإصلاح الدستوري، لكن «الشعب يظل ضامن الدستور»، وإن النقاش ينبغي أن يُنظر إليه من هذه الزاوية.
وأضاف أن حزب الإنصاف منخرط في التحضير للحوار الوطني ويستمع إلى انشغالات قواعده، ولديه خارطة طريق ستعرض للنقاش مع أحزاب الأغلبية.
التنمية من الجهات
وفي محور التنمية المحلية، اعتبر با عثمان أن البرامج الجهوية والمشاورات التي أطلقتها الحكومة تمثل تجسيدا لرؤية تقوم على حكامة أكثر إدماجا.
وقال إن مقاربة البرامج الجهوية تشكل نوعا من تحميل الجماعات المحلية مسؤولية أكبر، فيما تسمح جلسات التشاور للسكان بالتعبير مباشرة عن احتياجاتهم وأولوياتهم التنموية.
وأضاف أن أهمية هذه المقاربة لا تتوقف عند الاستثمار في البنى الأساسية، من طرق وزراعة وطاقة وتعليم وصحة، بل تشمل إشراك الجماعات المحلية والمواطنين في تحديد أولوياتهم.
واعتبر ذلك تطورا في طريقة التعامل مع التنمية المحلية.
إمكانات غير مستغلة
وقال با عثمان إن البلاد تتوفر على إمكانات اقتصادية مهمة ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، مرجعا ذلك جزئيا إلى بعض أوجه القصور في الحكامة المحلية وممارسات قال إنه يتعين تجاوزها.
ودعا إلى إعادة الثقة للمواطن وتمكينه من المشاركة في تحديد النموذج التنموي لجماعته، مؤكدا ضرورة اجتماع البلديات والمجالس الجهوية والفاعلين الاقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني حول طاولة واحدة لتحديد أولويات مناطقهم.
وأقر بأن هذه الديناميكية ما تزال قابلة للتحسين، وأن تنفيذ كل شيء بصورة فورية غير ممكن، لكنه اعتبر أن توفر الإرادة والالتزام يسمح بتحقيق تقدم.
الحكومة والإنصاف
وأشاد با عثمان بما وصفه بسرعة الحكومة وديناميكيتها تحت إشراف الوزير الأول المختار ولد أجاي، معتبرا أنها تواكب هذه المقاربة وتعمل على تجسيد رؤية الرئيس في مجال الحكامة.
وقال إن حزب الإنصاف يعمل خلال الفترة الأخيرة، تحت قيادة رئيسه محمد ولد بلال مسعود، على مواكبة توجهات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والتعريف بها، بالتوازي مع تنفيذها من طرف الحكومة.
وأضاف أن الحزب يسعى إلى استيعاب رهانات هذه المرحلة والمحافظة على موقعه القيادي على المستوى الوطني.










