يستهلك الشأن الاجتماعي حصة واسعة من اهتمامات المصريين، كما يظهر في أحاديثهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يبدو أن أزمات المنطقة تلقى الصدى الواسع نفسه في مصر، وكأن ذلك يطرح سؤالا حول ما إذا كانت سياسة الانكفاء الإقليمي تعمل بصورة جيدة، أو أنها على الأقل نجحت في إبقاء كثير من أزمات المنطقة خارج الحياة اليومية للمصريين.
ومن زاوية خاصة للتأمل، فإن صراعات ذات بعد اجتماعي، مثل سعي وزير التربية والتعليم إلى منع الاحتفال بالمناسبات التي لا تتوافق مع الثقافة المصرية في المدارس الدولية، والجدل الذي أثاره ذلك لدى بعض الأهالي الذين يرون فيه حدا من انفتاح أبنائهم على العالم، تبدو نوعا من الرفاهية قياسا بأزمات معيشية تتعلق بالخدمات الرئيسية في بلدان مثل، تونس وسوريا والعراق.
لا يعني ذلك أن المصريين يتنعمون بأوضاع مريحة أو إيجابية، فالطبقات الفقيرة والمتوسطة ما زالت تعاني معيشيا، والمشهد السياسي يراوح مكانه رغم بعض التحولات الشكلية، ولكن ما يعنيه ذلك أن مصر ما زالت تحتفظ بصورة الدولة التي تستطيع أن تستوعب التهديدات، وتمتلك الحلول من أجل تحييد ما تستطيع منها، أو على الأقل منع كثير منها من التحول إلى أزمة يومية يشعر بها المواطن مباشرة. الفرق كبير بين دولة على مواطنيها معايشة القلق المستمر من توفر خدمات أساسية، أو النظر إلى المنظومة السياسية بأنها تعمل بالقطعة، وأنها نفسها تحت تهديد يتعلق ببقائها، ودول أخرى يتحمل مواطنوها أعباء داخلية كبيرة تجعل حياتهم أصعب نسبيا وبدرجات متفاوتة بين الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة. فالمصريون اليوم لا يعيشون قلقا يوميا تجاه سلامة أراضيهم، ولا تجاه قدرة الدولة على فرض الأمن، وما يحدث من حوار مجتمعي ينصب حول الأسعار والأحوال الاجتماعية والمشكلات اليومية، ويجدون في المساء هامشا للتندر والتعليق حول العلاقة الأسرية المضطربة لمطربة مشهورة. لا تعايش مصر نوعا من الفزع الوجودي الذي يسود أكثر من بلد عربي، والخلاف القائم على الأولويات لا يعني تهديدا للأساسيات، وهو ما يدفع للتساؤل حول الانكفاء المصري، الذي كان كثيرا ما يتم تفسيره بوصفه تراجعا في الدور الإقليمي، وفقدانا للنفوذ في الفضاء الاستراتيجي المصري، كما يحدث في السودان وليبيا اللتين تتشاركان مع مصر حدودا طويلة. ويبدو أن هذه السياسة أدت تحديدا إلى تجنب كثير من المخاطر وتخفيض التكلفة على الدولة المصرية، في وقت أصبحت فيه تكلفة التدخل أعلى كثيرا من العوائد، التي يمكن أن تتحصل عليها الدول المنخرطة في الصراعات الإقليمية.
ومع بداية التوتر الأخير بين جماعة الحوثي والمملكة العربية السعودية، الذي ترافق لاحقا مع سيطرة الحوثيين على ميناء المخا ومواقع أخرى على الساحل اليمني على البحر الأحمر، حرص الخطاب الحوثي على إخراج مصر من دائرة الاستهداف، والتأكيد على أن العمليات موجهة إلى السعودية، مع تقديم تطمينات متكررة بشأن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يتعلق ضمنيا بقناة السويس وحركة الملاحة فيها. وإلى اليوم، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن حادثة استهداف سفن تخزين الغاز في ميناء دمياط، وعلى العكس من ذلك، حرصت أكثر من جهة على تأكيد عدم مسؤوليتها عن الحادثة، ومنها جماعة الحوثي نفسها.
خارج اتفاق مكة الطموح وبعد التصعيد في اليمن يتوجه ولي العهد السعودي إلى القاهرة، وهو يعرف أن المصريين غير معنيين بالانخراط العسكري المباشر، ولكنهم يعلنون موقفهم والتزامهم بالتحرك والتواصل الدبلوماسي، مع التأكيد على أمن السعودية ومكانته في الأمن القومي المصري، من غير أن تتحول مصر إلى طرف في الحرب، ومن غير أن تقدم توضيحا حول الشروط التي يمكن أن تدفع للتحرك بناء على تصورها لما يمكن أن يهدد الخليج أمنيا بالصورة التي تستلزم تحركا عسكريا بعد استنفاد الأوراق الدبلوماسية. لا يقدم المصريون التزاما واضحا، ولكنهم يطرحون أنفسهم بهذه الطريقة على الطاولة في كل مناسبة، ولعل ذلك يقدم تفسيرا لغيابهم حتى الآن عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان، فالاتفاقية تنقل العلاقات بين الدول الثلاث من مساحة التنسيق السياسي، إلى التزام دفاعي واضح يعتبر الاعتداء على أي منها اعتداء على الجميع، وهو تحديدا النوع من الالتزامات الذي تبدو القاهرة متحفظة تجاهه. وفي الوقت نفسه، يحتفظ المصريون بقنوات اتصال مع إيران، وتحدثت تقارير عن قنوات وصلت إلى الحرس الثوري نفسه.
السياسة المصرية لم تعد خافية على أحد، وربما تبدو مريحة لأطراف كثيرة في هذه المرحلة. فالمصريون يعملون على تفريغ المشكلات من التهديدات المباشرة، ويبدون مرونة في التفاوض حول القضايا الأخرى من غير أن يحملوا طموحا بالقضاء على المشكلة الجذرية، أو فرض تصور مصري كامل للحل. وما حدث في ليبيا، وكان من ملفات التقارب المصري ـ التركي، يمكن أن يدلل على أن المصريين غير مستعدين ليدفعوا أثمانا كبيرة لفرض النفوذ في ليبيا أو السودان أو غيرهما، وأنهم بالفعل يمتلكون خطوطا حمرا، ولكنها تبدو أضيق كثيرا مما يعتقده الآخرون. وربما لا يتعلق الأمر، عند هذه النقطة، بالانكفاء بمعنى الانسحاب من الإقليم، فمصر ما زالت موجودة في غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر، وتتحرك دبلوماسيا في ملفات كثيرة، ولكنها تبدو أقل استعدادا لتحويل هذا الحضور إلى التزامات عسكرية أو اقتصادية مفتوحة. وبذلك يمكن النظر إلى السياسة المصرية بوصفها انتقالا من محاولة فرض النفوذ إلى إدارة المخاطر، ومن السعي إلى تحديد ما يجب أن يحدث في الإقليم إلى تحديد ما لا يمكن السماح بحدوثه.
في السودان ترفض مصر أن تتحمل تكلفة تدخل واسعة لإنهاء الحرب بالطريقة التي تتسق مع مصالحها، لأن يذلك ينطوي على مغامرة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بمساراتها أو تكلفتها، وتكتفي بأن تتدخل بالصورة التي تجعل المخاطر في السودان بعيدة عن أمنها بشكل مباشر، مع المحافظة على ما يمكن إنقاذه من المؤسسات الخاصة بالدولة السودانية، وفي غزة وبينما تابعت مصر الوضع المعقد، وفرضت سياسات كثيرة للتعامل معها، وما زالت إلى اليوم داخل التفاوض، فهي تظهر الخط الأحمر الذي يتعلق بالتهجير، لأنه ينقل الأزمة الإسرائيلية إلى الداخل المصري، ومصر لم تعد مستعدة لاستيراد الأزمات التي يمكن أن تصعد وتغير من طبيعة الأسئلة التي تطرح في الداخل المصري.
يحمّل المصريون عهد الرئيس جمال عبد الناصر ورؤيته للنفوذ ودفعه لتكلفة باهظة من أجل تحقيقه في المنطقة مسؤولية الكثير من الاختلالات الهيكلية التي لحقت بالدولة والاقتصاد والمجتمع، وتسعى مصر إلى تعريف النفوذ على أنه لا يعني بالضرورة فرض إرادتها والدخول في استنزاف مع الأطراف الأخرى، بقدر ما يعني وضوح ما لا يمكن أن تقبله، وما ستتدخل من أجل منعه. الانكفاء المصري في السنوات الأخيرة لا يعني انطفاء لدور القاهرة، ولكنه خطوة لتأسيس سياسة تصفير المشكلات على الطريقة المصرية، ويبدو أن المصريين نظرا لبنيتهم الاجتماعية وطبيعة الجغرافيا التي تمنح وادي النيل فضاء واسعا للحيلولة دون التهديدات المباشرة، يمنحان فرصة واسعة لمواصلة هذه السياسة، من غير تبخيس الورقة المصرية في أعين الأصدقاء، أو الحلفاء أو دفع الأعداء والمنافسين للاستهانة بها، وما يظهر أن مصر في خسارتها لبعض مناطق النفوذ التقليدية في السنوات الأخيرة، كان ينطوي على التخلص من تكلفة غير ضرورية وغير معروفة وتجنبا للانزلاق في مساحات من عدم التأكد التي تعلمت مصر مدى فداحة آثارها القابلة للتدحرج والانفجار مع الوقت.
المشكلة الأساسية في تحليل السلوك المصري تكمن في معرفة مدى حضور الخوف على الاستقرار الداخلي، بوصفه أحد المحركات الأساسية لسياسة الانكفاء الإقليمي، وتجنب أي تكلفة إضافية يمكن أن تنعكس على البنية الاجتماعية. فذلك لا يعني أن الوضع الاجتماعي في مصر مستقر أو مريح، ولا أن الأزمات المعيشية والأوضاع الاقتصادية الضاغطة، يمكن أن تتحسن من تلقاء نفسها، وإنما ربما يعني أن الدولة تدرك أن قدرتها على تحمل صدمات إضافية ليست مفتوحة، وأن الدخول في صراعات إقليمية يمكن أن يحمل تكلفة تنتقل سريعا من السياسة الخارجية إلى حياة المصريين، وتخرجهم من عالم «ترينداتهم» الخاص إلى أسئلة أخرى تحمل فزعا مصريا خاصا.
نقلا عن القدس العربي










