توصلت دراسة حديثة إلى أن الالتهاب الشديد خلال مرحلة حساسة من الحمل ربما يؤدي إلى تغيرات في المشيمة والأجنة خلال 24 ساعة فقط، ما يساعد في تفسير كيف تساهم بعض العوامل البيئية قبل الولادة في زيادة القابلية للإصابة باضطرابات النمو العصبي، ومنها اضطراب طيف التوحد.
ووجد باحثون بمختبر "كولد سبرينج هاربور" الأميركي في تجربة أجريت على الفئران، أن تنشيط الجهاز المناعي للأم في منتصف الحمل أدى إلى اضطرابات نمائية مبكرة لدى نحو 30% من الأجنة في التجربة، بينما تطورت الأجنة الباقية بصورة طبيعية، وكانت المفاجأة أن الحالات المتضررة ظهرت بين الأجنة الذكور فقط، ولم تُرصد بين الإناث.
ولا تعني النتائج أن العدوى أو الالتهاب أثناء الحمل يسببان التوحد بصورة مباشرة، ولا أن المشيمة يمكن استخدامها حالياً للتنبؤ بمن سيصاب به؛ فالدراسة أجريت على الفئران باستخدام نموذج تجريبي للالتهاب.
ويقول الباحثون إن التوحد لدى البشر حالة معقدة تشارك فيها عوامل وراثية وبيئية متعددة.
التهابات الحمل وخطر التوحد
ولمحاكاة استجابة الجسم عدوى فيروسية، حقن الباحثون إناث الفئران الحوامل بمادة صناعية تعرف باسم "بولي آي: سي"، وهي لا تسبب عدوى لكنها تنشط الجهاز المناعي بطريقة تشبه الاستجابة للفيروسات.
واختبر الباحثون تأثير ذلك في مراحل مختلفة من الحمل، ووجدوا أن الأجنة كانت أكثر عرضة للتأثر عندما حدث التنشيط المناعي في اليوم 12.5 من الحمل لدى الفأر.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، إيرين سانشيز مارتن، إن علامات الاضطراب ظهرت بعد يوم واحد فقط من الاستجابة الالتهابية، وهي مرحلة مبكرة للغاية مقارنة بالدراسات السابقة التي ركز معظمها على تغيرات في الدماغ، أو السلوك بعد الولادة.
دراسة حديثة تبحث تعزيز استقبال "الجليسين" في الخلايا العصبية كمسار محتمل للتوحد، فيما يؤكد اختصاصي أن البحث لا يزال قبل التجارب السريرية.
تحليلات جينية
وتراوحت التغيرات التي رصدها الباحثون بين انخفاض وزن الجنين واضطرابات أكثر وضوحاً في النمو، بما في ذلك تأخر تطور بعض الأعضاء الحسية الخارجية، وأظهرت النتائج أن متوسط الأجنة الذكور المتأثرة كان يقارب 30%، مع اختلاف كبير من حمل إلى آخر.
وللبحث عن سبب إصابة بعض الأجنة دون غيرها، اتجه العلماء إلى المشيمة، وهي العضو الذي يربط الجنين بالأم ويوفر له الأكسجين والمغذيات، ويؤدي كذلك دوراً مهماً في تنظيم التفاعل بين جهازيهما المناعيين.
وركز الباحثون على خلايا الأرومة المغذية الإسفنجية، والتي تسمى "خلايا سبونجيوتروفوبلاست" (Spongiotrophoblast cells)، وتوجد في منطقة من مشيمة الفأر تفصل بين المكونات الأمومية والجنينية. وأظهرت التحليلات الجينية على مستوى النواة الواحدة أن هذه الخلايا شهدت تغيراً واضحاً لدى الأجنة الذكور المتضررة، إذ ارتفع نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب في الوقت الذي انخفض فيه نشاط مسارات مرتبطة بإنتاج الهرمونات وبناء المصفوفة خارج الخلية التي تساعد على الحفاظ على بنية المشيمة.
وتزامنت هذه التغيرات مع تدهور في سلامة المنطقة الفاصلة داخل المشيمة، وتسرب خلايا مناعية وجزيئات التهابية إلى السائل المحيط بالجنين، ما يشير إلى أن الالتهاب لم يكن مجرد استجابة عامة في جسم الأم، بل أدى إلى تغيير البيئة مباشرة عند الحدود بين الأم والجنين.
وحدد الباحثون أيضاً دوراً مهماً لجزيء مناعي يعرف باسم "إنترلوكين-6" أو "IL-6". وعندما استخدموا جسماً مضاداً لتحييد "IL-6" قبل تحفيز الاستجابة المناعية، لم تظهر الاضطرابات نفسها في صحة الأجنة، ما يشير إلى أن هذا الجزيء جزء رئيسي من السلسلة التي تربط التهاب الأم بالتغيرات الجنينية في هذا النموذج الحيواني.
وقال الباحثون إن النتائج تشير إلى ضرورة النظر إلى ما هو أبعد من الدماغ عند محاولة فهم جذور اضطراب طيف التوحد، موضحين أن المشيمة قد تعمل لدى بعض الأفراد كبوابة تنتقل من خلالها آثار التنشيط المناعي للأم إلى الجنين.
لماذا يصاب الذكور بالتوحد أكثر من الإناث؟
أحد أكثر جوانب الدراسة إثارة للاهتمام هو ظهور التغيرات لدى الذكور وحدهم، في مرحلة تسبق كثيراً الارتفاعات الهرمونية المرتبطة بالتمايز الجنسي للدماغ.
ويشخَّص اضطراب طيف التوحد بالفعل بمعدلات أعلى بين الذكور مقارنة بالإناث، لكن أسباب هذا الاختلاف لا تزال موضع بحث.
وتشير نتائج الدراسة إلى احتمال أن يبدأ جزء من هذه الفروق قبل الولادة بفترة طويلة، على الأقل في الحالات التي يكون فيها الالتهاب أثناء الحمل عاملاً مؤثراً.
وطرح الباحثون فرضية أن أجنة الذكور قد تنتج بروتينات تجعلها أكثر عرضة لاستجابة مناعية من الأم عندما تتعطل آليات التحمل المناعي الطبيعية في المشيمة، وفي المقابل، قد تمتلك الإناث آلية حماية لم تتضح طبيعتها بعد، لكن الباحثين أكدوا أن هذه الفكرة لا تزال بحاجة إلى تجارب إضافية.
وكانت أبحاث سابقة أظهرت بالفعل أن تنشيط الجهاز المناعي أثناء الحمل يمكن أن يغير الاستجابات المناعية في المشيمة والدماغ الجنيني بطرق تختلف بين الجنسين، ما يدعم فكرة أن المشيمة ليست مجرد قناة لتوصيل الغذاء، وإنما عضو نشط في تشكيل البيئة التي ينمو فيها الجنين.
نقلا عن الشرق للأخبار










