تابعتُ، كما تابع كثيرون خلال الساعات الأخيرة، مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع، تظهر فيه سيدة تتحدث بنبرة مثقلة بالألم عن واقعة اغتصاب تقول إن ضحيتها طفلة من "عائلتها" لا يتجاوز عمرها سبع سنوات.
لم تكن نبرة السيدة غاضبة بقدر ما كانت مثقلة بمرارة خالة وجدت نفسها أمام فاجعة تعجز اللغة عن استيعابها؛ فقد تحدثت عن تفاصيل موجعة تكشف أثر الجريمة على طفلة في عمر البراءة، وحجم الصدمة والخذلان لدى الأسرة.
بيد أن الموقف يتطلب، منذ البداية، التأكيد على أن هذه التفاصيل لا يجوز أن تتحول إلى مادة للتداول أو الفرجة؛ فالضحية ليست اسما يُكشف، ولا وجها يُتتبع، ولا قصة تُستهلك في زحام منصات التواصل الاجتماعي، بل هي طفلة تحتاج قبل كل شيء إلى الحماية، والستر، والمساندة النفسية والقانونية، وإلى عدالة هادئة لا تضيع وسط الضجيج.
وقد أثار الفيديو صدمة واسعة بين المتابعين، تجاوزت قسوة الواقعة لتُعيد إلى الواجهة سؤالا مؤلما ظل المجتمع يُؤجله طويلا وهو كيف نحمي الأطفال والنساء من عنف يتحرك غالبا في منطقة الصمت والخوف والعيب؟
وكيف نمنع تحول الجرائم الجنسية إلى جراح عائلية مكتومة أو محتوى رقمي منفلت، بدل أن تصبح قضية حماية وعدالة ومسؤولية عامة؟
ومن هنا، يصبح ضروريا التذكير بأن التضامن الحقيقي لا يتحقق بكشف الأسماء، ولا بتدوير التفاصيل، ولا بإعادة نشر ما يمسّ خصوصية الضحية وأسرتها، وإنما ينبع من حماية الطفلة، ومساندة ذويها، وإفساح المجال للعدالة كي تعمل بعيدا عن التشهير والفوضى الرقمية.
ولا يعني الحذر الأخلاقي، الصمت بأي حال؛ إذ تأتي هذه القضية، بما أثارته من صدمة، في سياق باتت فيه جرائم الاعتداء الجنسي أكثر حضورا في النقاش العام بنواكشوط، سواء لأن هذه الوقائع تبدو أكثر ظهورا، أو لأن حاجز الصمت بدأ يتراجع، أو لأن منصات التواصلأصبحت تكشف ما كان يبقى سابقا حبيس البيوت والخوف من الوصم.
وفي كل الأحوال، نجد أنفسنا أمام إنذار اجتماعي لا ينبغي التعامل معه بردود فعل موسمية.
وليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها الرأي العام نفسه أمام السؤال ذاته؛ فقد تداولت المنصات خلال الأشهر الأخيرة قضايا أخرى مرتبطة باعتداءات جنسية في نواكشوط، من بينها قضية دار النعيم التي تحدثت فيها فتاة عن تعرضها للاعتداء تحت التهديد، قبل أن تعلن مصادر إعلامية توقيف مشتبه به قرب الحدود مع مالي.
غير أن الخطأ يكمن في الاكتفاء بعدِّ الوقائع أو تحويلها إلى سلسلة أخبار صادمة؛ فالأخطر من الجريمة ذاتها، على فظاعتها، يتجلى في عجز المجتمع عن تحويل الصدمة إلى سياسة حماية.
وغالباً ما تبدأ كل موجة غضب قوية على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تخفت شيئا فشيئا لتعود القضية إلى الصمت، وتبقى أسئلة أساسية معلقة من قبيل كيف يُبلَّغ عن هذه الجرائم؟ ومن يحمي الضحية من ضغط المجتمع؟ وأين تبدأ المواكبة النفسية؟ وكيف نضمن ألا يتحول الخوف من الفضيحة إلى حماية غير مباشرة للمعتدي؟
تتجاوز آثار الجريمة الضحية لتطال بيئتها المباشرة؛ إذ تدخل الأسرة هي الأخرى دائرة الارتباك بين الرغبة في طلب العدالة، والخوف من التشهير، والخشية من كلام الناس، وضغوط المحيط الاجتماعي.
وهنا تبرز إحدى أخطر مشاكل هذا النوع من الجرائم؛ حيث لا يُواجه المجتمع، أحيانا، المعتدي بالصرامة نفسها التي يُواجه بها الضحية وأسرتها عبر الأسئلة والهمس واللوم.
وبناءً عليه، تحتاج نواكشوط اليوم إلى منظومة واضحة لحماية الضحايا، خصوصا الأطفال، بدلا من الاكتفاء بصرخات الغضب؛ منظومة تبدأ من التبليغ الآمن، وتمر عبر الاستقبال الإنساني داخل مراكز الشرطة والمؤسسات الصحية، ومرافقة نفسية واجتماعية وقانونية تحمي هوية الضحية.
إن العدالة لا تكتمل بالحكم القضائي وحده، بل تبدأ من اللحظة التي يشعر فيها الضحية أن المجتمع والدولة لا يتركانه وحيدا.
ولا تقع هذه المسؤولية على عاتق الدولة بمفردها؛ فالأسرة، والمدرسة، والإمام، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، كلها أطراف معنية بتغيير نمط التعاطي مع هذه الجرائم.
ولا يكفي أن نكتفي بتحذير الأطفال، بل يفترض بنا خلق بيئة يستطيع فيها الطفل الكلام دون خوف، ويجد كبارا يصدقونه، ويتعلم منها أن جسده وكرامته ليسا موضوعا للمساومة أو الصمت.
كما ينبغي أن لا نكتفي بمطالبة الضحية بالشجاعة، بل يجدر بنا أولا جعل التبليغ أقل كُلفة عليها وعلى أسرتها.
وفي هذا السياق، تظهر المنصات الرقمية كسلاح ذي حدين؛ فقد تكسر الصمت وتدفع السلطات والمجتمع إلى التحرك، لكنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى فضاء لإعادة إيذاء الضحية.
وقد نبه المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة سابقا، في قضية طفلة ضحية اعتداء جنسي، إلى خطورة تداول صُور أو تسجيلات تكشف هوية الطفل، لما يُضيفه ذلك من وصم وأذى نفسي واجتماعي طويل الأمد.
ويرتبط التضامن الحقيقي بسلوكيات أكثر عُمقا من مجرد مشاركة منشور غاضب؛ إذ يتطلب التضامن الضغط من أجل العدالة دون كشف هوية الضحية، والمطالبة بالحماية دون تحويل الأسرة إلى موضوع فرجة، وإدانة الجريمة دون نشر تفاصيلها.
ولا يتيح لنا تكرار حضور هذه القضايا في النقاش العام، في ظل غياب إحصاءات رسمية منشورة، الجزم بتصاعد الظاهرة بالمعنى الإحصائي، لكنه يسمح بالتأكيد على حقيقة لا تقل خطورة؛ وهي أن الصمت الذي كان يغطي جزءا من هذا العنف بدأ يتشقق، وأن المجتمع أضحى يسمع أصواتا كان يدفعها سابقا إلى الهامش.
ويبقى السؤال المطروح هل سنكتفي بالسماع، أم سنحول السماع إلى حماية عملية؟
وحين يكسر الألم صمت المجتمع، يتوجب علينا عدم الاكتفاء بالبكاء على الضحية، ولا بالغضب من المعتدي، ولا بالتنديد عبر وسائل التواصل؛ إذ يستدعي الموقف تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى ضغط، والضغط إلى إجراءات ملموسة.
فكل طفلة تُترك بلا حماية، وكل أسرة تُترك وحدها في مواجهة الوصم، وكل جريمة تُدفن خوفا من العيب، تعني أن الخطر لم يعد محصورا في المعتدي وحده، بل امتد إلى بيئة اجتماعية تسمح له بالرهان على الصمت.
تقف نواكشوط اليوم أمام امتحان أخلاقي وقانوني واجتماعي، ولا يكون الجواب عنه برفع الصوت فقط، بل ببناء حماية حقيقية للأطفال والنساء؛ حماية تبدأ من احترام الضحية، وتستمر حتى تصبح العدالة أسرع، والمساندة أوضح، والصمت أقل قدرة على ابتلاع الألم.










