لم يكن انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور مجرد محطة جديدة في مسيرته، بل يبدو أقرب إلى بداية فصل مختلف في قصة أحد أبرز نجوم كرة القدم العربية والإفريقية في العصر الحديث. فبعد تسع سنوات حافلة مع ليفربول، اختار النجم المصري في سن الرابعة والثلاثين الانتقال إلى الدوري التركي، في صفقة تمتد لعامين، ما أثار الكثير من التساؤلات التي فرضت نفسها، وأهمها: هل يمكن أن يصبح محمد صلاح بالنسبة للدوري التركي ما أصبح عليه ليونيل ميسّي بالنسبة للدوري الأمريكي، وكريستيانو رونالدو بالنسبة للدوري السعودي؟ وماذا يمكنه أن يضيف لفرق طرابزون سبور المتواضع مقارنة بغلطة سراي، وفنربخشه وبشكتاش.
المقارنة تبدو مغرية، لكنها تحتاج إلى شيء من التريث قبل إصدار الحكم، لأن ميسّي لم يرفع فقط من مستوى الاهتمام بالدوري الأمريكي، بل نقل معه جزءًا من هالته العالمية، وخلق حول إنتر ميامي والدوري الأمريكي للمحترفين منظومة جديدة من المشاهدة والتسويق والاستثمار. ورونالدو فعل شيئا مشابها في السعودية، بعدما أصبح وجوده أحد أهم محركات الاهتمام العالمي بالدوري السعودي وصورة المشروع الكروي هناك. أما صلاح، فقد يدخل الدوري التركي من بوابة مختلفة، لأنه ليس بطولة ناشئة تبحث عن هويتها العالمية؛ إنه دوري له تاريخ وجماهيرية وأندية كبيرة وجمهور شديد الشغف. لذلك فإن صلاح لا يأتي إلى تركيا ليصنع الدوري من الصفر، وإنما يأتي إلى بطولة قادرة أصلًا على استثمار وجوده وتعزيز قيمتها التجارية والفنية.
في ظهوره الأساسي الأول بالدوري، قاد صلاح طرابزون سبور إلى الفوز على باشاك شهير 2-1، وسجّل الهدفين، كما أُلغي له هدفان آخران. أداء يؤكد أن النجم المصري لم ينتقل إلى تركيا بحثا عن نهاية هادئة لمسيرته، بل لا يزال قادرًا على صناعة الفارق وتقديم نفسه كأحد نجوم البطولة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية الصفقة، لأن صلاح لا يحتاج الى الدوري التركي لكي يستعيد نجوميته، بل يدخل اليه وهو نجم عالمي أصلا، وأرقامه، وألقابه، وحضوره الإعلامي والجماهيري جعلته اسماً يتجاوز حدود النادي والدوري، وبالتالي فان السؤال الحقيقي ليس: هل ستزيد تركيا من نجومية صلاح؟ وإنما الى أي مدى سيزيد صلاح في قيمة الدوري التركي؟
المؤشرات الأولى مشجعة، ووجوده في تركيا سيزيد من حجم المتابعة العربية والمصرية للدوري، وسيمنح المباريات التي يشارك فيها قيمة إعلامية وتسويقية إضافية، كما سيضع طرابزون سبور تحت الأضواء بصورة لم يكن من السهل الوصول إليها بهذه السرعة. والأكثر إثارة أن طرابزون لا يبدو مكتفيا بصفقة صلاح. النادي أعاد أيضا جمعه مع زميله السابق في ليفربول فابينيو، الذي انضمّ بعقد لعامين، في خطوة تضيف إلى المشروع التركي بعدًا آخر وتعيد إلى الأذهان الشراكة التي جمعت اللاعبين في ليفربول. لكن هل يعني ذلك أن صلاح سيصبح «ميسّي تركيا» أو «رونالدو تركيا»؟ ربما من حيث التأثير الجماهيري والإعلامي، يمكن أن تقترب المقارنة، أما من حيث طبيعة التجربة، فهناك اختلافات واضحة.
ميسّي وصل إلى الولايات المتحدة في مرحلة كان فيها الدوري الأمريكي يحاول ترسيخ مكانته عالميًا، بينما رونالدو كان أحد أبرز رموز المشروع السعودي الضخم لاستقطاب النجوم. أما تركيا، فهي سوق كروية مختلفة؛ أندية مثل غلطة سراي وفنربخشه وبشكتاش وطرابزون سبور تمتلك قاعدة جماهيرية تاريخية، كما أن الدوري التركي حاضر باستمرار في المنافسات الأوروبية. ولهذا فإن صلاح لن يكون نجم الدوري الوحيد، بل سيكون أحد أكبر عوامل رفع سقف المنافسة داخله، وقد تكون هذه هي القيمة الحقيقية للصفقة، خاصة إذا حافظ صلاح على مستواه، فترتقي المنافسة على لقب الدوري التركي من مجرد صراع تقليدي بين الأندية الكبرى، الى قصة جديدة تجعل من طرابزون منافسا لغلطة سراي وفنربخشه وبشكتاش.
صلاح يستطيع أن يغيّر المعادلة إذا نجح في تقديم الاضافة و قاد طرابزون سبور إلى المنافسة على اللقب، وواصل التألق أوروبيا، وجذب جماهير جديدة، ورفع القيمة التسويقية للمسابقة، فسيكون انتقاله أكبر من مجرد صفقة لاعب كبير، حتى وإن لم يتحول الى «ميسّي الدوري التركي» أو «رونالدو الدوري التركي» بالمعنى الحرفي، لكنه يستطيع أن يكون محمد صلاح الدوري التركي؛ نجمًا جاء إلى بطولة قوية أصلًا، فزادها بريقا وإثارة، وفي الوقت نفسه وجد فيها مساحة جديدة ليكتب فصلًا آخر من مسيرته الكروية الاستثنائية.
إعلامي جزائري
نقلا عن القدس العربي










