لم يكن من الصعب على من يُتابع إعلانات شركة «صوملك» خلال الأسابيع الأخيرة ملاحظة التكرار اللافت لبرامج الصيانة على شبكة نواكشوط.
فمنذ نهاية يوليو، توالت البلاغات الرسمية: أشغال يومي 30 يوليو و1 أغسطس، ثم 6 و8 أغسطس، وأعمال أخرى يومي 8 و9 أغسطس على محطة الجهد العالي، قبل أن تتجدد المواعيد في 13 و15 أغسطس، ثم 20 و22 من الشهر نفسه.
كانت أسماء الأحياء تتغير من بيان إلى آخر، لكن المبرر ظل شبه ثابت وهو: "صيانة المنشآت وتأمينها، وتحسين جودة الخدمة وضمان استمرارها".
وسط هذا المسار المتواصل من الصيانة والتحديث، وقع ما أربك المشهد؛ حادثتان كبيرتان في أقل من أربع وعشرين ساعة؛ حريق في محطة التحويل الشرقية، تلاه حريق آخر في محطة التحويل الغربية.
قد لا يعني تقارب الحادثين في الزمن بالضرورة وجود رابط مباشر بينهما؛ فتحديد الأسباب والملابسات من اختصاص التحقيق الفني الذي أمر به رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
لكن المفارقة كانت كفيلة بطرح سؤال مختلف: إذا كانت أعمال الصيانة متواصلة، وإذا لم تعد المعضلة الأساسية – بحسب التشخيص الرسمي – تكمن في قدرات التوليد، فأين تقع عقدة الكهرباء الحقيقية في البلاد؟
لقد اعتاد الرأي العام، مع كل انقطاع، أن يوجه نظره فورا نحو المحطات والمولدات وحجم الطاقة المنتجة.
وظل نقص التوليد سنوات طويلة أحد أبرز عناصر المشكلة، وهو ما وجّه جانبا مهما من الاستثمارات نحو إنشاء محطات جديدة، وتنويع مصادر الطاقة، وربط الشبكات.
غير أن الأزمة الحالية تدفع إلى النظر في اتجاه آخر؛ لا إلى المنشأة التي تُنتج الكهرباء، بل إلى المسار الذي تقطعه الطاقة حتى تصل إلى المستهلك.
فالفرق هنا جوهري؛ أي أنَ امتلاك قدرة إنتاجية كافية لا يعني تلقائيا الحصول على خدمة كهربائية مستقرة؛ إذ تقف بين محطة التوليد ومقبس الكهرباء في المنزل خطوط نقل، ومحطات تحويل، وشبكات توزيع، وأنظمة حماية ومراقبة.
وأي خلل يصيب إحدى حلقات هذه السلسلة قد يُبقي الطاقة متوفرة في المصدر، فيما يتعذر وصولها إلى المستهلك.
واللافت أن هذا التشخيص لم يعد قراءة من خارج القطاع؛فخلال زيارته لمحطة التحويل الشرقية، أشار رئيس الجمهورية إلى أن المشكلة الراهنة «لا ترتبط بقدرات الإنتاج بقدر ما تتمركز في منظومة التوزيع».
كما أكد أنَ حاجة هذه المنظومة إلى التطوير وفق معايير تضمن الكفاءة والسلامة واستمرارية الخدمة، مشددا على تعزيز الصيانة الوقائية والجاهزية والتدابير الاستباقية.
ومن هنا، ربما تكمن إحدى دلالات حريقي نواكشوط في أنهما أعادا توجيه الانتباه إلى تحول مهم في ملف الكهرباء؛ فبعد سنوات كان فيها توفير قدرات إنتاجية إضافية في صدارة الأولويات، تتقدم اليوم إلى الواجهة مسألة قُدرة الشبكة على نقل الطاقة المتاحة وتوزيعها بكفاءة واستقرار.
ذلك أن نواكشوط الحالية لم تعد المدينة التي صُممت شبكاتها القديمة لاستيعابها؛ فقد امتدت جغرافيا، وتوسعت أحياؤها، ونشأت أطراف عمرانية جديدة، وارتفع الطلب المنزلي والتجاري والإداري على الكهرباء.
وكل زيادة في الإنتاج أو الاستهلاك ترتب ضغطا إضافيا على الشبكة المكلفة بنقل تلك الأحمال وتوزيعها.
وبناءً على ذلك، لم يعد كافيا التساؤل عن عدد الميغاوات التي تستطيع الدولة إنتاجها، بل ينبغي التساؤل أيضا عنكم ميغاوات تستطيع الشبكة نقلها وتوزيعها بأمان؟ وما الذي يحدث عندما تخرج إحدى عقدها الرئيسية من الخدمة؟
لقد قدمت الأزمة الراهنة صورة واضحة عن أهمية هذا السؤال؛ فتعطل محطة التحويل الشرقية لم يقف أثره عند محيطها الجغرافي، بل امتد إلى مناطق واسعة من العاصمة وأثر على خط إديني، بينما تسبب حادث المحطة الغربية في انقطاعات شملت مناطق أخرى، ووصل تأثيرها إلى الخط المغذي لمطار أم التونسي وميناء تانيت.
إنَ هذا الواقع يعيد الاعتبار إلى مفهوم مرونة الشبكة؛ فالشبكة القوية ليست تلك التي لا تعرف الأعطال، وإنما التي تمتلك، عند حدوث خلل، القدرة على حصره ومنع اتساع أثره، وتحويل التغذية عبر مسارات بديلة، واستعادة الخدمة في أقصر وقت ممكن.
وبالتالي، لا تُقاس كفاءة المنظومة بأرقام الإنتاج وحدها، وإنما أيضا بقدرة الشبكة على تحمل الأعطال والحد من آثارها.
ولا يعني ذلك أن معالجة هذه الاختلالات لم تبدأ؛ فكثافة برامج الصيانة خلال الأسابيع الأخيرة تعكس وجود أعمال قائمة على الشبكة، كما أعلنت «صوملك» خططا لتوسعة وتقوية شبكة التوزيع ذات الجهدين المتوسط والمنخفض في نواكشوط، فيما أكد رئيس الجمهورية أن تحديث شبكة التوزيع بدأ بالفعل، وأن وتيرته ستتسارع خلال المرحلة المقبلة.
غير أن الحريقين يضعان سرعة هذا التحديث وأولوياته أمام اختبار عملي؛ وهنا ينبغي ألا ننسى أن موريتانيا تتطلع إلى توسع كبير في قطاع الطاقة، وتراهن على مشاريع الغاز والطاقة الشمسية والرياح والربط الكهربائي الإقليمي.
وكل قدرة إنتاجية جديدة تدخل المنظومة تزيد الحاجة إلى تحديث شبكات النقل والتحويل والتوزيع؛ إذ لا تكفي زيادة الطاقة عند المنبع إذا ظلت الاختناقات قائمة في مسارات إيصالها.
ومن هنا، يجدر بالنقاش الذي سيعقب الأزمة أن لا يتوقف عند البحث عن المسؤوليات المرتبطة بالحريقين، على أهمية تحديدها بعد اكتمال التحقيق، بل أن يمتد إلى مراجعة الجوانب التشغيلية للمنظومة؛ أي من الصيانة الوقائية، والعمر الافتراضي للمعدات، وأنظمة الحماية وتوفر قطع الغيار، إلى تعدد مسارات التغذية وسرعة الاستجابة عند الأزمات.
وهذا ما يمنح حديث رئيس الجمهورية عن الصيانة الوقائية بُعدًا عمليًا؛ فالصيانة الفعالة لا تبدأ بعد وقوع الخلل، وإنما تقوم أساسا على اكتشاف مؤشراته المبكرة ومعالجتها قبل أن تتحول إلى عطل واسع أو حريق.
وفي قطاع حيوي كالكهرباء، قد يكون نجاح الصيانة في جانب منه هو منع العطل قبل أن يشعر به المستهلك.
لقد وضعت الحرائق والانقطاعات الأخيرة ملف الكهرباء في صدارة الاهتمام، لكن أهم ما أظهرته الأزمة أنها أعادت ترتيب الأسئلة.
فالسؤال الذي ظل حاضرا لسنوات كان: كيف ننتج طاقة أكثر؟ وهو سؤال سيظل قائما مع نمو الطلب وتوسع الاقتصاد، لكن يتقدم إلى جانبه اليوم سؤال لا يقل أهميةوهو كيف نضمن إيصال هذه الطاقة بقدر أكبر من الأمان والاستقرار؟
إنَ الطاقة لا تكتسب قيمتها الخدمية لحظة خروجها من محطة الإنتاج، بل عندما تصل إلى البيت والمستشفى والمصنع والمطار، وتظل متاحة عند الحاجة إليها.
وإذا كانت البلاد قد خطت خطوات ملموسة في زيادة قدراتها الإنتاجية، فإن أزمة الكهرباء الراهنة تضع الشبكة في قلب المرحلة المقبلة.
وعندها لن يكون المعيار حجم ما تنتجه البلاد من ميغاوات،بل مدى قدرة منظومتها الكهربائية على إيصالها إلى المستهلك باستقرار، حتى يصبح انقطاع التيار استثناءً لا ينتظره المواطن أو يعتاد عليه.










