رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية
فخامة رئيس الجمهورية،
لعلها المرة الثانية التي أسأل فيها نفسي بمرارة: كيف يُعقل أن نُرهق أنفسنا كشباب خدمةً لهذا الوطن، ثم نجد أنفسنا نقف عاجزين أمام مؤسساته حين يتعلق الأمر بإنقاذ حياة من نحب؟
فخامة الرئيس، يزخر بلدنا بالكفاءات والعقول الشابة القادرة على صناعة الفارق، ليس فقط في حماية الأنظمة وتأمينها، بل في آفاق أبعد بكثير مثل تصميم وتطوير الروبوتات الطبية وأنظمة الجراحة الدقيقة (Robotic Surgery)، وتدريب الكوادر الوطنية في كافة القطاعات عبر أنظمة ذكاء اصطناعي موريتانية وآمنة، تنقل العلوم وأحدث ما وصل إليه علم العصر في سبيل جودة حياة المواطن الموريتاني تحقيقاً للسيادة في عصر التحول الرقمي، ولست سوى واحد من هؤلاء الشباب.
عندما بادرنا بقيادة الشباب وتمثيل موريتانيا في المحافل التقنية العالمية من طوكيو إلى غيرها منذ خمس سنوات، وعندما سهرنا الليالي لرصد المترصدين من الأجانب لأموال الموريتانيين بالتنسيق مع وزارة الرقمنة، وتقييم وتأمين الأنظمة الحساسة، وقبلها إكتشاف وإغلاق ثغرات أمنية حرجة في تطبيق "هويتي" حمايةً لمعلومات المواطنين وتحولنا الرقمي، فعلنا ذلك بدون مقابل بدافع الواجب والانتماء الخالص.
لم ننتظر جزاءً، رغم أن قطاع التحول الرقمي ووزارة الشباب لم يوفروا حتى الآن الغطاء الرسمي أو الاحتضان المؤسسي لهذا الجيل الذي يحمي الأمن الرقمي للبلد. تقبلنا ذلك بصمت؛ واخترنا أن نشق طريقنا بجهدنا الخاص، ونبني شبكة علاقاتنا وخبراتنا بعيداً عن أي طلب للمنّة.
لكن أن يمتد هذا القصور المؤسسي ليطال الأرواح، ويُترك أبناء هذا الوطن يواجهون مصيرهم أمام الإدارات الصحية العتيقة، فهذا خلل عميق يستوجب تدخلكم المباشر.
أخي الأصغر (23 عاماً) يرقد الآن في تونس، يصارع الوقت والموت معاً، بانتظار تدخل جراحي دقيق ومعقد في الشريان الأبهر لا يملك ترف الانتظار. قبلها بأسابيع، ورغم كافة الإفادات الرسمية من كبار الأطباء في المركز الوطني لأمراض القلب، والتي تؤكد صراحة أن الإجراء غير متوفر محلياً وأن الرفع الطبي إلى الخارج ضرورة حتمية ومسألة حياة أو موت، لم نجد أمامنا سوى جدار من الروتين الإداري، وبيروقراطية بطيئة تقف عاجزة أمام الحالات المستعجلة.
فخامة الرئيس، أنا لا أكتب هذه الرسالة لأطالب بإقالة مسؤول أو توجيه اتهام شخصي، فالأزمة أعمق من أن تُحل بتغيير الأشخاص. مشكلتنا الحقيقية تكمن في خلل إداري عميق وبيروقراطية مترهلة داخل مفاصل بعض الوزارات، تعرقل "الإنصاف" ولا تواكب حجم الطوارئ الإنسانية.
ولهذا، فإنني أقولها بكل وضوح للجميع: حين يتعلق الأمر بحياة أخي، فلن أقف مكتوف الأيدي، وسأطرق كل باب ممكن وغير ممكن، وسأبذل كل ما في وسعي حتى الأنفاس الأخيرة. لكنني بالمقابل لا أبحث عن تسوية "استثنائية" لحالة أخي بعد نشر هذه الرسالة. مطلبي ليس حلاً فردياً، وأرفض أن تُعالج القضايا المصيرية بحلول مؤقتة لتجاوز المواقف المؤلمة. كرامتنا ولله الحمد محفوظة، وسننتزع حق أخي في الحياة بجهدنا وعرق جبيننا.
أنا أكتب اليوم لأن هذه التجربة وضعتني أمام تساؤل مؤلم: إذا كنا نحن، بما نمتلكه من كفاءة ومسيرة في خدمة البلد وشبكة علاقات مهنية، نصطدم بهذا الجدار الإداري ونحن نحاول إنقاذ حياة إنسان، فماذا يفعل المواطن الموريتاني البسيط؟
ماذا تفعل الأم الفقيرة القادمة من الداخل عندما تُطالب بتوفير ملايين الأوقية لإنقاذ ابنها؟ كيف يتصرف فقراء موريتانيا في أروقة المستشفيات حين يغيب عنهم السند وتخذلهم الإجراءات؟
الرفع الطبي للحالات الحرجة هو حق أصيل يكفله العقد الاجتماعي، وحق الحياة ليس امتيازاً يعتمد على المعارف والوساطات. دولة المؤسسات التي نطمح إليها هي تلك التي تضمن حق العلاج لمواطنيها الأكثر ضعفاً في لحظات العجز المطلق.
هذه الرسالة، يا فخامة الرئيس، ليست نداء استغاثة شخصي، بل هي صرخة حق يرفعها كل مواطن موريتاني أنهكته البيروقراطية وخذلته الإجراءات. كرامتنا لا تُساوم، ولكن ثقتنا في قدرتكم على تصحيح هذا المسار الإداري والصحي هي ما دفعني لوضع هذه الحقيقة مجردةً بين أيديكم.










