دبلوماسية الظل... من يتحدث مع من حين تصمت البنادق في الساحل؟

د. الشيخ يب أعليات

برزت خلال الأيام الماضية في منطقة الساحل سلسلة من الأخبار التي بدت، للوهلة الأولى، مُتفرقة: أسرى أُطلق سراحهم في مالي، وفرنسي أنهى عفوٌ رئاسي فترة احتجازه في باماكو، وأمريكي استعاد حريته بعد أشهر من الاختطاف في النيجر.

غير أن تقارب هذه الوقائع في الزمن، وتعدد الأطراف التي ظهرت خلف عمليات الإفراج، يكشفان جانبا آخر من الساحل لا يحضر كثيرا في واجهة الأخبار؛ منطقة تتقاتل في العلن، لكنها لا تتوقف عن التفاوض في الظل.

بدأ أحد هذه الخيوط في مالي، حيث أطلقت جبهة تحرير أزواد سراح 82 جنديا ماليا، ظل بعضهم في الأسر منذ سنوات، فيما بقي نحو 118 آخرين لديها.

وفي الفترة نفسها، أصدر رئيس المرحلة الانتقالية عاصيمي غويتا عفوا عن الفرنسي "يان فيزيلييه"، الموظف في السفارة الفرنسية الذي تتهمه باماكو بالعمل لصالح الاستخبارات الخارجية الفرنسية، بعد أن حكم عليه القضاء المالي بالسجن عشرين عاما.

وجاء الإفراج بعد اتصالات شاركت فيها أطراف عدة، وكان للمغرب دور في الوساطة بين باريس وباماكو.

وفي النيجر، انتهت قصة أخرى أكثر غُموضا؛ فقد استعاد الأمريكي "كيفن رايدآوت" حريته بعد تسعة أشهر من اختطافه، وسط روايات متباينة عن الكيفية التي تم بها الإفراج عنه، فيما كشفت "رويترز" عن دور لعبته سلطات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، وعن وسطاء تحركوا بين شبكات محلية ومسلحة عابرة للحدود.

كان من الممكن أن يبقى كل خبر داخل حدوده؛ أسرى حرب أُطلقوا في مالي، وفرنسي حصل على عفو رئاسي، وأمريكي انتهت محنة اختطافه في النيجر.

لكن جمع هذه الوقائع يرسم صورة أخرى للساحل، ويكشف إلى جانب خريطة الصراع المعروفة، خريطة ثانية أقل ظهورا، تتحرك عليها الوساطات والمفاوضات والقنوات الخلفية.

وهذا ليس أمرا جديدا تماما؛ فمنذ اتساع رقعة الجماعات المسلحة في الصحراء والساحل، تشكلت إلى جانب المُواجهات شبكة من الوسطاء المحليين، وزعماء القبائل، والشخصيات الدينية، ورجال الأعمال، وأجهزة الاستخبارات، والدول الإقليمية القادرة على الوصول إلى أطراف لا تستطيع الحكومات الغربية مخاطبتها مباشرة.

وفي كثير من الأحيان، لا نعرف شيئا عن هذه الخريطة إلا عندما يظهر الأسير حُرًا.

وقد عزز التحول السياسي الذي عرفه الساحل خلال السنوات الأخيرة أهمية هذه القنوات؛ فخروج القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي، وصعود روسيا، وانسحاب دول تحالف الساحل من «إيكواس»، لم يلغِ حاجة هذه الدول إلى الخارج، وإنما أعاد تشكيل الطرق التي تتعامل بها معه.

ولهذا يمكن لمالي أن تكون في خصومة حادة مع فرنسا، بينما تجري في الوقت نفسه مفاوضات غير مباشرة تنتهي بالإفراج عن مواطن فرنسي شديد الحساسية بالنسبة إلى باريس.

يُقدم المغرب مثالا واضحا على قيمة هذا النوع من الوساطة؛ فقد سبق أن لعب دورا في الإفراج عن أربعة فرنسيين كانوا محتجزين في بوركينا فاسو نهاية 2024، قبل أن يظهر اسمه مُجددًا في ملف فيزيلييه.

وربطت قراءات صحفية هذا الدور بعلاقات حافظت عليها الرباط مع دول الساحل، وبقدرتها على مخاطبة أنظمة أصبحت علاقتها بالقوى الغربية أكثر توترا.

أما ظهور شرق ليبيا في قضية الرهينة الأمريكي فيُضيف بُعدًا آخر إلى هذه الخريطة؛ فبحسب "رويترز"، شارك في جهود الإفراج رجل أعمال مالي معروف بصلاته داخل شبكات المنطقة، قبل نقل "رايدآوت" بعد تحريره إلى بنغازي.

وتضاربت الروايات بشأن ما إذا كانت العملية قد تمت عبر صفقة وفدية أم بعملية أمنية، وهو تضارب يكشف بطبيعته مقدار الغموض الذي يحيط بهذا النوع من المفاوضات.

لكن خلف هذه الوساطات يبرز وجه آخر أكثر خطورة؛ ففي الوقت الذي كانت أخبار الإفراج تتوالى، كشف تقرير لخبراء الأمم المتحدة أن فدية قُدرت بنحو 50 مليون دولار دُفعت أواخر 2025 مقابل تحرير رهينة كانت احتجزته جماعة مرتبطة بالقاعدة في مالي، وأن جانبا كبيرا من الأموال ذهب إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وأسهم في تمويل توسع عملياتها في غرب إفريقيا، ووصل جزء منه إلى شبكات القاعدة خارج المنطقة.

وهنا تتغير طبيعة السؤال؛ فالتفاوض الذي يُنقذ حياة إنسان قد يمنح، في الوقت نفسه، جماعة مسلحة الموارد التي تحتاج إليها لخوض حرب أطول.

وتلك واحدة من أعقد المعضلات التي يطرحها ملف الرهائن؛ أي ماذا تفعل الدولة عندما يصبح مواطنها في يد جماعة مسلحة مثلا؟

من السهل إعلان مبدأ عدم دفع الفدية، لكن تطبيقه يُصبح أكثر صعوبة عندما يكون هناك إنسان ينتظر العودة إلى أسرته، وحكومة تواجه ضغطا داخليا، ووسطاء يقولون إن بإمكانهم فتح باب لا تستطيع الدبلوماسية الرسمية فتحه.

وقد فهمت الجماعات المسلحة هذه المعادلة منذ وقت مبكر؛ فالرهينة لم يعُد أسيرا فقط، بل أصبح ورقة سياسية وموردا اقتصاديا في آن واحد.

تشير خلاصات التقارير الأممية إلى أن الاختطاف تحول إلى مصدر للتمويل وأداة للضغط، فيما يكشف حجم الفدية المشار إليها أن «اقتصاد الرهائن» لم يعد نشاطا هامشيا في حرب الساحل؛ إذ يمكن لعملية واحدة ناجحة أن تضخ موارد هائلة داخل شبكة مسلحة.

ومن هنا يمكن فهم جانب من المفارقة التي يعيشها الساحل اليوم؛ حيث تراجعت بعض القنوات الدبلوماسية التقليدية، لكن الحاجة إلى التفاوض لم تتراجع معها، وانسحبت دول من تحالفات قديمة، لكنها احتاجت إلى وسطاء جُدد، وارتفعت لغة السيادة والاستقلال عن القوى الأجنبية، بينما استمرت في الخلف قنوات بين أجهزة ودول وشخصيات تستطيع الانتقال بين عوالم متخاصمة.

إنها دبلوماسية لا تُمارس دائما في وزارات الخارجية؛ وقد يكون الوسيط فيها شيخ قبيلة يعرف المنطقة أكثر مما يعرفها الدبلوماسي، أو رجل أعمال يملك شبكة علاقات تمتد عبر الصحراء، أو دولة احتفظت بعلاقة مع طرفين لا يتحدث أحدهما إلى الآخر.

ولهذا أصبحت القدرة على الوساطة نفسها مصدرا للنفوذ؛ فالدولة التي تستطيع الوصول إلى باماكو عندما تغلق أبوابها أمام دولة أخرى، أو تستطيع إيصال رسالة إلى جماعة مسلحة، أو تعرف الأشخاص القادرين على الوصول إلى محتجزي رهينة في الصحراء، تملك أصلا سياسيا لا يظهر في خرائط القوة التقليدية.

وقد يكون هذا أحد التحولات التي تستحق المتابعة في الساحل؛ فالمنافسة لم تعد فقط على القواعد العسكرية والسلاح والاستثمارات، بل كذلك على «من يستطيع الحديث مع من».

غير أن الوساطة تظل سلاحا ذا حدين؛ فإذا كانت تُنقذ الأسرى وتفتح أبوابا أغلقتها السياسة، فإن الفديات، متى دخلت المعادلة، قد تحول النجاح الإنساني إلى مكسب عسكري للطرف الذي نفذ الاختطاف أصلا.

وهكذا تستمر الدائرة؛ يختطف المسلحون رهينة، تبدأ القنوات السرية عملها، يظهر الوسطاء، تنتهي المفاوضات أحيانا بالإفراج، ثم تختفي تفاصيل الصفقة، إلى أن يكشف تقرير أو تحقيق بعد أشهر شيئا مما جرى.

ولذلك، ربما لا تكفي متابعة الساحل من خلال بيانات الجيوش، وخرائط السيطرة، وعدد الهجمات والقتلى.

فهناك خريطة أخرى تعمل تحتها، لا نرى حدودها ولا نعرف جميع فاعليها؛ خريطة لا تحددها السيطرة على الأرض وحدها، بل القدرة على الوصول إلى الأشخاص، وفتح الأبواب المغلقة، ونقل الرسائل بين أطراف لا تستطيع أن تظهر معًا إلى العلن.

وإذا كانت الحرب تُخبرنا بمن يُقاتل من في الساحل، فإن عمليات الإفراج الأخيرة تفتح سُؤالا آخر، ربما يكون أكثر إثارة للاهتمام وهو من يستطيع، عندما تصمت البنادق للحظة، أن يتحدث مع من؟

 

 

 

 

 

أربعاء, 19/08/2026 - 10:14