تابعتُ خلال الأيام الماضية جانبا من الانتخابات الرئاسية في زامبيا، وما رافقها من أحداث بدت لافتة في بلد ظل يُقدَّم، على مدى سنوات، ضمن التجارب الإفريقية التي حافظت على انتظام الانتخابات والتداول السلمي على السلطة.
ففي في 13 أغسظس الجاري، توجه الزامبيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للبلاد، إلى جانب أعضاء البرلمان والمجالس المحلية، في انتخابات يتنافس فيها الرئيس هاكيندي هيشيليما على مأمورية ثانية، أمام مرشح المعارضة الرئيسي بريان مونديبيل.
لكن عملية فرز الأصوات لم تخلُ من التوتر؛ إذ اضطرت لجنة الانتخابات إلى تعليقها مُؤقتا إثر تسجيل اعتداءات على موظفين انتخابيين وسرقة أوراق اقتراع، قبل أن تُعلن لاحقا احتواء الوضع واستئناف العملية، وسط اتهامات بالتضييق على المعارضة.
وبينما كنت أتابع هذه التطورات، استوقفتني فقرة نشرتها "BBC Afrique"، نقلا عن أحدث المؤشرات المتعلقة بالديمقراطية في إفريقيا جنوب الصحراء، تُفيد بأن مستوى الديمقراطية في المنطقة عاد إلى ما كان عليه في مطلع الألفية؛ وذلك بفعل عاملين أساسيين هما عودة الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل، وتعزز النزعات السلطوية في عدد من الدول.
قد يرى البعض أن الانتخابات الزامبية، رغم التوتر الذي شابها، تظل دليلا على استمرار المسار الديمقراطي، وأن إجراء انتخابات تنافسية وانتظار نتائجها يختلف جذريا عن الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، وهذا صحيح؛ إذ إن اختزال المشهد الإفريقي في صورة قاتمة سيكون قراءة غير دقيقة.
لكن الرقم الذي أوردته المُؤشرات يظل مُثيرا للتأمل: كيف عادت إفريقيا جنوب الصحراء، بعد ربع قرن من الانتخابات والتعددية والدساتير الجديدة، إلى مستوى قريب مما كانت عليه عام 2000؟
و لإدراك عمق هذا التراجع، يجدر التذكير بأن القارة بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي مرحلة بدت حينها قطيعة تدريجية مع حقبة الانقلابات والحزب الواحد، حيث تعددت الأحزاب، وانتظمت الانتخابات، وتكررت حالات انتقال السلطة عبر الصناديق، حتى بدا أن المؤسسة العسكرية تتراجع تدريجيا عن موقعها التقليدي في صناعة السلطة.
غير أن السنوات الأخيرة أعادت مشاهد اعتقد كثيرون أنها أضحت من الماضي؛ إذ عاد العسكريون إلى الحكم في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا، وامتدت المراحل الانتقالية في بعضها، فيما سجلت دول أخرى تراجعا ديمقراطيا من داخل المؤسسات نفسها، دون حاجة إلى دبابة أو بيان عسكري.
بيد أن الاقتصار على إدانة المشهد الظاهري يغفل جوهر الأزمة؛ فالانقلاب العسكري ليس، في كثير من الأحيان، إلا المحطة الأخيرة لمسار بدأ يتشكل قبل وصول الدبابات إلى القصر؛ إذ تتراكم قبله سنوات من تآكل المؤسسات، وتراجع الثقة في الانتخابات، وانتشار الفساد، وعجز الدولة عن توفير الأمن والخدمات.
وحين تتراكم هذه الخيبات، يجد الانقلابيون جزءا من المجتمع مُستعدا لمنحهم الفُرصة، حتى وإن أثبتت التجربة لاحقا أن الحكم العسكري لا يملك بالضرورة بديلا أفضل.
وهذه المفارقة في موقف الشارع تُترجمها بيانات شبكة "أفروباروميتر" بوضوح؛ إذ يظل نحو ثلثي الأفارقة يفضلون الديمقراطية على أي نظام آخر، وترفض النسبة نفسها تقريبا الحكم العسكري، غير أن أكثر من نصف المستطلعين يعبرون عن تقبلهم لتدخل الجيش إذا أساء القادة المنتخبون استخدام السلطة.
إذن وفقا لاستطلاعات الشبكة الآنفة الذكر، لا يبدو أن المواطن الإفريقي تخلى عن فكرة الديمقراطية بحد ذاتها، بل تكمن المشكلة في نجاعتها؛ فالمواطن يريد أن ينتخب وأن يلمس أثر اختياره؛ يريد أيضا المؤسسات، لكنه ينتظر منها المحاسبة؛ يريد حرية التعبير والتعددية، بالتوازي مع الأمن والتعليم وفرص العمل والإدارة الفعالة.
ومن هنا تظهر الفجوة بين الطلب على الديمقراطية وما تقدمه الممارسة العملية.
ووفق استطلاعات الشبكة نفسها، لا يتجاوز الراضون عن كيفية عمل الديمقراطية في بلدانهم 37%، رغم أن 66% يفضلونها على بقية أنظمة الحكم؛ وهي فجوة يصعب تجاهلها؛ إذ إن الأفارقة لم يفقدوا الرغبة في الديمقراطية بقدر ما فقدوا الرضا عن أدائها.
كما أن تراجع الديمقراطية لا يمر دائما من ثكنة عسكرية،فقد تصل سلطة ما عبر الانتخابات، ثم تبدأ تدريجيا في تضييق المجال السياسي، وإضعاف المؤسسات الرقابية، وتغيير قواعد المنافسة بما يعرقل التداول.
وفي هذه الحالة، تبقى صناديق الاقتراع موجودة، لكن المسافة بين إجراء الانتخابات وتحقيق جوهر الديمقراطية تتسع.
لهذا السبب، يحسن بنا أن لا نقيس صحة الديمقراطية بعدد الاستحقاقات الانتخابية وحده؛ فالانتخابات أداة من الأدوات وليست الكل.
وفي المقابل، يجدر بنا أن لا نُعامل إفريقيا ككتلة سياسية واحدة، تتجه مجتمعة نحو السلطوية، فالقارة ما تزال تقدم نماذج مُغايرة، وشهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالات انتخابية للسلطة في أكثر من دولة، مما يؤكد أن مسار التراجع ليس قدرا محتوما.
ففي السنغال مثلا، تجاوزت المؤسسات أزمة سياسية حادة سبقت انتخابات 2024، وانتهى الاقتراع بفوز مرشح المعارضة باسيرو ديوماي فاي، وإقرار مرشح السلطة بالنتيجة، في انتقال أكد قدرة المؤسسات الديمقراطية على امتصاص الأزمات.
وفي غانا، عادت المعارضة إلى الحكم عبر الصناديق في نهاية العام نفسه، محافظة على تقليد التداول السلمي الذي جعل التجربة الغانية من أكثر تجارب غرب إفريقيا رسوخا.
أما بوتسوانا، فقد حملت انتخابات 2024 تحولا أكثر دلالة؛ إذ أزاح الناخبون الحزب الذي حكم البلاد منذ الاستقلال لنحو ستة عقود، وأقر الرئيس موكغويتسي ماسيسي بالهزيمة وبدأ تسليم السلطة للمعارضة.
وإذا كانت هذه النماذج يمكن اعتبارها مُختلفة في سياقاتها، إلاَ أنها تؤكد أن صناديق الاقتراع ما تزال قادرة على تغيير من يحكم.
وتقدم موريتانيا في هذا السياق نموذجا يستحق التوقف عنده، خصوصا عند مقارنته بمحيطها "الساحلي" الذي شهد سلسلة من الانقلابات والاضطرابات.
فقد حافظت البلاد خلال السنوات الأخيرة على استقرارها السياسي والمؤسسي، وانتظمت فيها الاستحقاقات الانتخابية في ظرف إقليمي بالغ التعقيد.
كما تكشف أحدث بيانات "أفروباروميتر" استمرار التعلق الشعبي بالخيار الديمقراطي؛ إذ يعبر 68% من الموريتانيين عن تفضيلهم للديمقراطية.
إنَ هذه التجارب المتباينة تساعد في إعادة صياغة السؤال الإفريقي: فبدلا من أن نسأل "لماذا تفشل الديمقراطية في إفريقيا؟"، قد يكون الأجدر أن نسأل "لماذا تصمد الديمقراطية في دول وتتراجع في أخرى؟".
وهنا، قد توجّهنا الإجابة نحو صلابة المؤسسات أكثر مما توجهنا نحو بريق الشعارات؛ فحين تكون المؤسسة أقوى من الفرد، وتظل الانتخابات قادرة على إنتاج المنافسة، ويشعر المواطن بأن صوته يصنع الفارق، يصبح الدفاع عن النظام الديمقراطي مصلحة عامة لا مطلبا نخبويا.
أما حين تفقد المؤسسات القدرة على المحاسبة، ولا ينتج الاقتراع تغييرا ملموسا، ويتراجع الأمن أو تتآكل الثقة في الدولة، فإن الخطر لا يبدأ يوم تظهر الدبابة أمام القصر، بل يكون قد بدأ قبل ذلك بكثير.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل إفريقيا بعد ربع قرن من التحول الديمقراطي هو كيفية منع الانقلاب المقبل، وإنما كيفية بناء ديمقراطيات راسخة لا يجد الانقلاب إليها طريقا.
ذلك، أنَ أخطر ما يهدد أي تجربة ديمقراطية ليس ظهور من يسعى للانقلاب عليها، بل وصول اليوم الذي لا يجد فيه النظام الديمقراطي من يرى أن الدفاع عنه يستحق العناء.










