أتيح لي قبل سنوات أن أؤدي زيارات عمل متكررة إلى عدد من بلدان إفريقيا الغربية، ورغم أني لم أزر كوت ديفوار (التي تتمسك باسمها الفرنسي وترفض اسم «ساحل العاج» الذي كان شائعا بالعربية والإنكليزية) إلا مرة واحدة، فقد أخذت بجمال طبيعتها وخضرتها الدائمة وأدركت لماذا كان الفرنسيون يَعُدّونها درة تاج مستعمراتهم الإفريقية (إضافة بطبيعة لحال لتحصيل الحاصل، أي ثرائها بما يسهل نهبه من الموارد الطبيعية). وقد كنت على يقين حتى أيام قريبة أني لم أتمكن من زيارة إفريقيا الجنوبية أبدا حتى تبين لي، بفضل وزارة الخارجية الأمريكية، أن يقيني كان مجرد ظن، وأنه ظن خاطئ أيضا. فالذي لم أكن أعلمه أنا وجميع سكان المعمورة، ربما باستثناء معظم الأمريكيين، أن كوت ديفوار تقع في جنوب القارة، أي نعم، وليس في غربها!
ذلك أن وزارة الخارجية الأمريكية قدمت، أثناء المؤتمر الدولي الذي عقد في ريو دي جانيرو بشأن مكافحة داء نقص المناعة، الأيدز، أواخر الشهر الماضي، خريطة تُظهر كوت ديفوار في جنوب القارة الإفريقية بينما تدفع بنيجيريا إلى عمق الصحراء الكبرى لتصير بلا منفذ على البحر، أما الموزامبيق فإنها تهجّرها بأكملها من موقعها في جنوب القارة لتستقر في الشرق بجوار أثيوبيا!!! على أن المصير الجغرافي لهذه البلدان يظل أرحم من مصير الكاميرون التي اختفت من موقعها الجغرافي تماما، فلم يعد لها وجود لا في إفريقيا ولا في سواها من قارات الأرض. وبهذا فقد صار ينطبق على الكاميرون، من حيث لا تدري، المعنى الحرفي لمفردة «يوتوبيا» اليونانية. إذ إن المعنى المجازي لهذه الكلمة، التي نحتها توماس مور عام 1516، إنما يحيل على المدينة الفاضلة أو الدولة المثالية، أي المجتمع المتخيل الذي استوفي مقومات الحياة الفردية والمدنية الخيّرة. أما المعنى الأصلي للكلمة اليونانية فهو اللا-مكان، أو المكان المنعدم، أي الذي لا وجود له. فالكاميرون هي إذن، في عرف «جغرافيّي» الخارجية الأمريكية وموظفيها، إما جزيرة توماس مور أو جمهورية أفلاطون، بدليل أنها غير موجودة في عالم الناس المشهود!
والواقع أنه لا يجوز لأحد أن يقسو على الأمريكيين في مادة الجغرافيا، فالقوم لا ينكرون ضعفهم البالغ فيها ولا يكابرون، بل إنهم أول المعترفين باختلاط أسماء البلدان عليهم وبعجزهم عن تحديد مواقعها على الخريطة. ويعرف كل من عاش بين ظهرانيهم أنه لا يندر أن يبدأ أحدهم سؤاله في هذا الشأن بالقول: لست ضليعا في الجغرافيا، ولكن قل لي أين توجد البلاد أو المدينة الفلانية؟ ومعروف أيضا أن من نواب الكونغرس من لا يسافر خارج الولايات المتحدة، بل إن إدوارد سعيد ذكر في أحد مقالاته، أوائل التسعينيات، أن عشرات من نواب الكونغرس ليس لديهم جواز سفر أصلا! وأذكر أن صديقا لبنانيا كان من زملائي في الجامعة حصل على وظيفة أستاذ في الإعلام في جامعة أوكسفورد. لا، ليس أوكسفورد البريطانية، بل أوكسفورد الأمريكية في ولاية مسيسيبي في الغرب الأوسط، فلما زرته هناك شكا وتذمر من ريفية المكان وضيق أفق الأهالي، ثم قال لي عندما نذهب للعشاء سوف تدرك ما أعنيه. كانت النادلة تبدو في الثلاثينيات من العمر، واتضح أنها تعرف صديقي نظرا لكثرة اختلافه إلى المطعم. جاذبها أطراف الحديث ثم قال لها: الحياة هنا طيبة، ولكن هل تسافرين؟ فأجابت بكل عفوية: أي نعم، لقد سافرت مرتين. لم تكن المرأة تعني أنها سافرت إلى أوروبا أو إفريقيا، أو حتى الجوار الكندي شمالا أو المكسيكي جنوبا. بل كل ما قصدته أنها ذهبت بسيارتها في زيارتين متباعدتين إلى ولاية إيلينوي (القريبة نسبيا)، حيث مدينة شيكاغو.
ولكن إذا جاز أن تُلتمس لعموم الأمريكيين الأعذار، فبماذا يمكن أن تُعذر وزارة الخارجية؟ بجهلها بالعالم الذي هو مادة اختصاصها؟! ومع هذا، فلنتطوع من فضلكم بالتماس العذر: لم يكن الموظفون الأمريكيون معنيين بدقة المعلومات لا في الجغرافيا ولا في سواها، بل كان كل همهم أن يبرروا التخفيضات البالغة التي فرضها ترامب في ميزانية المساعدات الخارجية، وفي برامج مكافحة الأيدز في إفريقيا. آه، ثمة عذر أهم: الخريطة كانت بتوقيع الذكاء… لكأن البشرية لم تكن تستطيع رسم الخرائط، أو أنها لم تعرف ما الخرائط أصلا إلا بعد أن جن عليها ليل الغباء الاصطناعي بظلماته وهلوساته.
نقلا عن القدس العربي










