التعليم.....الإصلاحات و" دفلة الأعمى "

سيبويه سيدي محمد لوليد

من يتابع مسار إصلاح التعليم في موريتانيا خلال العقد الأخير يلاحظ مفارقة يصعب تجاهلها؛ فكلما أعلنت الدولة عن رؤية جديدة أو استراتيجية واعدة، برزت في المقابل عراقيل إدارية وتشريعية ومالية وميدانية تجعل جزءًا كبيرًا من تلك الوعود يفقد أثره على أرض الواقع. وكأننا أمام "دفلة الأعمى"؛ يحفر بيدٍه حفرة،ويبصق خارجها ثم يقوم بردم مكان ثالث ، فتُبذل الجهود دون أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

لقد شهد قطاع التعليم محطات كبرى، بدءًا من المنتديات العامة للتعليم سنة 2013، ثم سنة التعليم 2015 وما تخللها من مفاجآت، مرورًا بالأيام التشاورية لسنة 2021، وصولًا إلى القانون التوجيهي للتعليم. وكلها محطات حملت أهدافًا نبيلة ورؤية إصلاحية طموحة، لكنها اصطدمت في كثير من الأحيان بضعف التنفيذ، وتداخل الصلاحيات، وبطء الإدارة، ونفوذ مراكز الضغط ومراكز القرار التي أصبحت تؤثر في وزارة التربية أكثر مما تؤثر فيها النصوص القانونية نفسها.

ورؤى الإصلاح مهما كانت بل ولعل أول ما يلفت الانتباه هو أن ميزانية التعليم لا تزال تُعامل وكأنها عبء يجب تقليصه، لا استثمارًا ينبغي تعزيزه. ففي الوقت الذي تخصص فيه كثير من الدول ما يقارب ثلث ميزانيتها العامة للتعليم، بما فيها دول تقل فيها نسبة الشباب كثيرًا عما هي عليه في موريتانيا، لا يزال الإنفاق على التعليم دون المستوى المطلوب، ويخضع في أحيان كثيرة لمنطق التوفير لا لمنطق الاستثمار في المستقبل.

ومن مظاهر هذا الخلل استمرار بطء تنفيذ الحقوق المالية للمدرسين، مقابل السرعة الكبيرة في تطبيق العقوبات والاقتطاعات. فإذا تعلق الأمر بالفصل أو الخصم ، كانت الإجراءات فورية. أما إذا تعلق الأمر بحقوق ضائعة للأساتذة أوللمعلمين، فإن الملفات تبقى أشهرًا وربما سنوات بين إدارة التشريع والإدارات المالية والخزينة، وكأن الحقوق لا تستحق الاستعجال.

وليس خافيًا ما تعانيه مستحقات الساعات الإضافية، خاصة في نواكشوط، حيث لا يزال كثير من الأساتذة ينتظرون حقوقهم دون جدوى. ورغم أن التعويض عن الساعات الإضافية ارتفع مؤخرا وتضاعف عشر مرات ، فإنه لا يزال بعيدًا عن القيمة الحقيقية للجهد المبذول،ومقارنته بالقطاع الخاص مخجلة،كما أن تأخر صرفه يفقده جزءًا كبيرًا من معناه.

ومن القضايا التي أثارت استياءً واسعًا كذلك قضية اقتطاع تأمين الوالدين عبر التأمين الصحي "أكنام"، وما رافقها من إشكالات وتمييز ضد المدرسين بحيث يفرض الاقتطاع على الإبن المدرس بعد زيادة التكاليف عليه بحساب رواتب بقية الأبناء من عسكريين وغيرهم ، إضافة إلى رفض التكفل بعلاج كثير من الأمراض الجلدية بحجة أنها تدخل ضمن العمليات التجميلية،وكذا صحة الفم والأسنان رغم أن العديد منها أمراض حقيقية تحتاج إلى علاج لا إلى تصنيف إداري مقيت ومتربص.

ويزداد الإحباط عندما يتم التراجع عن امتيازات سبق منحها، كما حدث في بعض الملفات المتعلقة بتحويل أساتذة الحوض الشرقي مؤخرا، وهو ما يضعف الثقة في القرارات الإدارية ويجعل المكاسب تبدو مؤقتة وقابلة للإلغاء في أي لحظة.

أما سياسة الإكتتاب المقاطعي، التي قُدمت باعتبارها حلًا أوجزء من حل لمشكلات إعادة توزيع المدرسين، فقد كشفت بعض الحالات إلى انها لم تفي بالغرض ولا زال اصحابها يتظاهرون يوميا للتعبير عن الحرمان من حقوق التبادل ولم تحل دون رفض تحويلات استوفت المعايير وتمت المصادقة عليها عبر المنصة،بشروط الوزارة نفسها مما خلق حالة من عدم الاطمئنان لدى العاملين في القطاع، ورسخ الشعور بأن التطبيق لا يخضع دائمًا للقواعد نفسها.

وتبرز كذلك إشكالية التحول من لغة تدريس إلى أخرى دون التأكد مسبقًا من توفر العدد الكافي من المدرسين المؤهلين. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على مجرد تغيير اللغة، او المناهج ودون تخطيط مسبق وإنما على توفير الكفاءات والوسائل والتهيئة المناسبة. وإلا فإننا نكون قد عدنا إلى منطق الكم على حساب الكيف، وهو ما يتناقض مع أهداف التنمية، والرفاه المشترك، ورؤية 2030، ورؤية الغد المشرق لبلد تحفه المخاطر إقليميا على الأقل.

ومن أكثر الملفات إلحاحًا ضرورة التمييز الإيجابي لصالح الميدانيين، أي العاملين داخل الفصول الدراسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الإداريين وترقياتهم. فلا يمكن أن يستقيم الإصلاح إذا لم يكن المعلم والأستاذ في قلب السياسات العمومية، دون اعتبار الإداريين جسما غريبا على المنظومة التربوية.

وفي هذا السياق يبرز ملف صندوق دعم سكن المدرسين، حيث يقتضي المنطق والقانون المقام عليه الفصل الواضح بين الميدانيين والإداريين وفق معايير موضوعية. وإذا ارتأت السلطات منح الإداريين نصف الامتيازات المخصصة للميدانيين فليكن ذلك بنص قانوني واضح، لا بقرارات متغيرة تخضع لاجتهاد الأشخاص، مع العمل على مراجعة القانون القائم إذا ثبت أنه لا ينسجم مع العدالة والمنطق ،فاعتبار رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح الجهوية والمركزية خارج هيئات التأطير تفسير ظالم .

كما أن تجميد المسابقات الداخلية والترقيات المتنفس الأوحد عدى التعيينات السياسية نحو أسلاك الإدارة، والقضاء، والدبلوماسية، وغيرها من الأسلاك التي ينص عليها القانون، يمثل ظلمًا حقيقيًا لآلاف الكفاءات. فالتعليم لا ينبغي أن يتحول إلى قطاع مغلق أو إلى سجن مهين، بل يجب أن يكون بوابة للترقية والكفاءة وخدمة الدولة من مختلف مؤسساتها.

ويكفي أن ننظر إلى سلم الرواتب لندرك حجم الاختلال؛ فالفارق بين أدنى وأعلى درجات الرواتب في التعليمين الأساسي والثانوي لا يعكس سنوات الخبرة ولا سنوات التكوين ولا حجم المسؤولية، ويظل محدودا بصورة لا تشجع على بذل المزيد من الجهد أو تطوير الأداء (اقل من مائة ألف بين اعلى وادنى راتب).

إن التعليم اليوم يحتاج إلى إرادة سياسية تجعل النصوص تُنفذ، والحقوق تُصرف، والقوانين تُطبق بعدل، بعيدًا عن نفوذ مراكز الضغط أو بطء الإجراءات الإدارية. فليس من المقبول أن يبقى إصبع يكتب القرارات، بينما إصبع آخر يمحو آثارها في اليوم التالي.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ باحترام القانون، وإنصاف الميدان، وتوفير الموارد، وتمكين الكفاءات، وتسريع الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعندها فقط يمكن أن تتحول الخطط والمنتديات والقوانين من أوراق محفوظة في الأرشيف إلى واقع ينعكس داخل الفصول الدراسية، حيث يصنع مستقبل الوطن كل يوم.

خميس, 06/08/2026 - 20:20