كان مساءً لزجًا، والعاصمة تتنفس بصعوبة بالغة، وآخر الموظفين يغادرها بحثًا عن نسمة هواء على أطراف المدينة الآثمة؛ لكن جموعًا من الصحفيين كانوا على موعد مع رئيس تذكر وقرر أخيرًا، بعد سبع سنين، أن يواجه أسئلة الصحفيين وعدسات المصورين وفضول نظرات عيون العشرات، بعدد مشجعي ملعب كرة قدم صغير جُلبوا بلطف لتأثيث القاعة ومنحها زخمًا إعلاميًا يحتاجه المقام.
اهتدى المنظمون لفكرة عبقرية ورياضية، وهي أن يترك الزملاء سياراتهم عند “ساحة الحرية”.
وأنا وأغلب الزملاء في حاجة ماسة للرياضة والتأمل والابتعاد عن ضجيج المدينة وهدوء القصور الذي ينطوي على الكثير من القصص المرعبة.
قطعنا المسافة القصيرة نسبيًا، لكنها طويلة جدًا، حيث إن قاعة المؤتمر كانت تقبع في الجانب الأيمن من القصر، حيث تصميمات العصر الكولونيالي تُذكرك بلقطات حفل رفع العلم عندما كنا صغارًا.
دخلنا زرافاتٍ ووحدانا تأكد عناصر أمنية من أسمائنا، أما وجوهنا فهي مألوفة لأغلبهم؛ إذ إن من السهل أن تعرف ملامحك في موريتانيا، خاصة إذا كان مصدر رزقك شاشاتي!
في قاعة الاستراحة الكبيرة الموازية لمكان المؤتمر الصحفي، وضع لنا المنظمون قطع حلويات ذات قلوب حمراء، وفهمنا الرسالة، خاصة أن سبع سنين تستدعي الكثير من الشوق والحنين، لكن أغلب الزملاء تحاشى السكريات والمرطبات، فمساءات القصر لها أحكامها، والخفة تجلب الفطنة، والسؤال على معدة خاوية يخترق حجب السلاطين.
كان المشهد شبيهًا بمساءات عيد الصحافة… العديد من الأصدقاء الذين انقطعت أخبارهم منذ زمن بعيد، إلا أنه من الجميل أن تلتقي بمن تُحب أحيانًا.
دخلنا قاعة المؤتمر متأخرين، وكان المكان عبارة عن حافلة “سونوف” مكيفة مع ركاب تعرفهم جميعًا؛ ومن محاسن الصدف أني حظيت بجيرة طيبة، فعلى يميني كان طيب الذكر السيد محمد ش محمد الإمام، مدير منصة “بلوار ميديا”، وعلى يساري محمد ناجي، وهو شاعر مرهف اختطفته الصحافة وبزغ نجمه فيها.
وبما أن الرحلة طويلة والأسئلة عرضية، فقد اعتبرتها جلسة مع أصدقاء بإشراف رئاسي.
عند السؤال الثاني، عرفت أن رفع الأصابع وحدها لا يكفي لجعل الصحفي في المجال البصري للعميد المشرف على المؤتمر وبالتالي تنبهت إلى أن حضورنا قد يكون لأسباب ديكورية فقط.
حينها بدأت في كتابة مقترحات لعملي اليومي العادي؛ لكن صوت العميد تقي الله منحني دفئًا عجيبًا، حيث تذكرت حلقاته الجميلة من برنامجه “كلمات وأنغام”، وبالفعل كانت كلمات زملائي حاضرة في الأسئلة العميقة التي أحاطت بأغلب اهتمامات الموريتانيين، أما الأنغام فكان تصفيق “الزملاء” كفيلًا بضبط إيقاع حزبي أعاد الذاكرة إلى اجتماعات رؤساء موريتانيا مع وجهاء الداخل البعيد.
كان المؤتمر فرصة لتطبيع العلاقة بين الرئيس والميكروفون والكاميرا، علاقة استغرق تطبيعها سبع سنوات، طبعت صورة الرئيس في أذهان أغلب الموريتانيين كرئيس لا يحب الأضواء ولا الصحافة ولا الكلمات ولا الأسئلة؛ ورغم ذلك قضى بيننا ثلاث ساعات كسرت بعض جليد الماضي الذي حجب الرؤية بين هرم السلطة وجمهور الصحافة.










