في الوقت الذي تقف فيه المنطقة على صفيح ساخن وتئن عواصم عربية واسلامية تحت وطأة الة القتل والدمار والمجازر المشتركة وفي اللحظات التي تفيض فيها اشلاء الابرياء في غزة والضفة ولبنان واليمن وايران بفعل السلاح الامريكي والغطاء الدولي يخرج من المطبخ البرلماني الاردني وعلى لسان احد نوابه مقترح يعزف لحنا نشازا لا يمت الى كرامة الامة الحرة ونبض الشارع العروبي باي صلة .
منذ بداية العدوان على غزة وبعد عملية طوفان الاقصى قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مختلف أشكال الدعم من السلاح والذخائر والمساندة العسكرية والسياسية والغطاء الدبلوماسي الاقليمي في مختلف المحافل الدولية وهو ما ساهم فعليا في استمرار آلة الحرب الإسرائيلية حتى اليوم والتي خلفت آلاف الضحايا من الفلسطينيين وفي مقدمتهم الأطفال والنساء الذين قتلوا تحت القصف والدمار والحصار.
للحقيقة التي لا مراء فيها ان المطالبة التي شهدها اروقة مؤخرا بتقديم واجب العزاء بمقل ثلاث جنود امريكيين في قاعدة موفق السلطي الجوية الاردنية والذين كانوا في مهام عسكرية واستراتيجية لم تكن مجرد هفوة بروتوكولية بل كانت تجسيدا صارخا لحالة من غياب الحصافة والاندفاع السياسي غير المحسوب الذي تجاوز كافة الخطوط الحمراء والاخلاقية .
المداخلة التي تقدم بها النائب صاحب المقترح لم تكن مجرد راي عابر بل كانت صدمة مروعة للمشاعر الوطنية العامة وفي الوقت الذي كانت فيه المنظومة الامريكية تشارك وتدعم وتحمي حصد ارواح المدنيين الابرياء في المنطقة تبرع صوت برلماني بدور مرفوض لم يطلبه منه احد منتحلا موقع الدبلوماسي ومتقمصا شخصية الحريص على رضى القوى العظمى والتي قوبلت بعاصفة غضب نيابية كاسحة ادت في النهاية الى مشادات حادة قادت الى اخراج صاحب المقترح من قاعة المجلس وشطب كلمته من المحضر الرسمي كوصمة رفضها الجسم التشريعي على الفور مع تاكيده على ان نبض الشعوب لا يمكن تزويره .
عمليا اذا ما اردنا تحليل هذا السلوك ودوافعه فلن نجد في ثناياه أي ابعاد ترتبط بالمصلحة الوطنية العليا كما قد يزعم المبررون بل هي محاولة واضحة للتسويق الذاتي او خطوة للبحث عن حظوة في صالونات البعثات الدبلوماسية مع العلم بان الاندفاع في طرح مثل هذه المقترحات الحساسة يعكس قصورا حادا في قراءة المشهد العام وظنا واهما بان استرضاء القوى الدولية اهم من تمثيل ارادة الناخبين والالتزام بضمير الامة وثوابتها .
باليقين المطلق ان التهافت على ما يسمي بالدبلوماسية البرلمانية خارج الاطر الرسمية لوزارة الخارجية يعكس خللا بنيويا في فهم بعض المشرعين لواجباتهم الدستورية حيث ينتخب النائب ليكون صوتا للفقراء ومراقبا لأداء الحكومة ومدافعا عن سيادة القانون وليس مهندسا لعلاقات استرضائية عشوائية تبنى على حساب الوجدان الشعبي وان مثل هذا الاستعراض المكشوف يسلب المؤسسة التشريعية هيبتها ويجعل من المنبر البرلماني ساحة للمزايدات الدبلوماسية التي تفصل المنظومة البرلمانية عن جذورها الشعبية والوطنية .
ان ردة الفعل الحاسمة من رئاسة المجلس والكتل النيابية المختلفة برهنت على ان الدولة الاردنية بمؤسساتها العميقة وثوابتها الراسخة واعية تماما للخطوط الفاصلة بين الاتفاقيات الدولية الحتمية وبين بيع المواقف المجانية خاصة وان الدولة تدير علاقاتها الخارجية عبر القنوات الدبلوماسية المتزنة ولا تسمح للاجتهادات الفردية المنفلتة ان تقحم البرلمان في مواقف تحرج الموقف الوطني والقومي المشرف للأردن اتجاه قضايا امته وخاصة القضية الفلسطينية مما يعيد التأكيد بان هذه الطروحات الشاذة تظل منبوذة ومعزولة ولا تمثل روح الدولة او شعبها .
الامر المضحك والمبكي يتجلى عند عقد المقارنة الفاضحة مع البرلمانات الاخرى فلماذا لم يتنطح نواب برلمان كردستان العراق برغم تعقيدات المشهد هنالك للمطالبة بتقديم تعازي رسمية مماثلة نتيجة سقوط جندي امريكي في قاعدة اربيل الجوية والاجابة واضحة لان النواب الاكراد يدركون تماما الخطوط الفاصلة بين الحسابات الرسمية وبين كرامة المؤسسات التشريعية التي تمثل نبض الناس .
لعل ذروة المفارقة الصادمة لمطلب النائب تتبدى وتنكشف في هذا الاندفاع غير المحسوب عندما نستحضر التوقيت الزمني لهذا المقترح البرلماني الغريب خاصة وانه جاء بعد ايام قليلة جدا من تصريحات استعلائية واستخفاف علني وجهه الرئيس الامريكي دونالد ترامب شكك فيه صراحة بالقدرات الدفاعية الجوية والعسكرية للجيش العربي الاردني وبلغة تنضح بالقذارة والرعونة حيث اشار بان الصواريخ والمسيرات ما كان لها ان تخترق الاجواء وتصل الى الجنود وتقتلهم لو ان عناصر امريكية هي من كانت تدير المنظومات الدفاعية على ارض القاعدة .
امام هذا الطعن المرفوض بكفاءة وسيادة مؤسستنا العسكرية الحامية للوطن وارواح المواطنين والتي سطر نشامى جيشها الباسل اروع ملاحم البطولة والشهادة دفاعا عن ثرى فلسطين وجبال القدس لماذا صمت حينها النائب صاحب المقترح صمت القبور وبلع لسانه ولم تحركه اية حمية وطنية للمطالبة بإصدار بيان رسمي شديد اللهجة على اهانات ترامب وتفنيد ادعاءاته الكاذبة لكنه بدلا من الدفاع عن عن كرامة جيشه ووطنه اختار الهرولة للمطالبة بتقديم صكوك العزاء والمواساة للكنغرس الامريكي ومثل هذا السلوك لا يمكن تصنيفه الا كحالة متعمقة من الانفصام السياسي الصارخ حيث يغض فيه الطرف عن الاساءة المباشرة لسيادة الوطن وقدرات جيشه مقابل الاستمالة للتملق المعنوي واسترضاء دوائر القرار في واشنطن .
في المقابل هل فكر أي مشرع امريكي يوما بتقديم تعزية رسمية او اعتذار عن مئات الاف من الضحايا الابرياء الذي سقطوا بسلاحهم وعلى ايدي جنودهم وهل اهتز ضميرهم فزعا لمقتل الاف الاطفال والنساء في غزة ولبنان واليمن والعراق وعلى امتداد جغرافيا الدم المهدور وايضا هل تأثر وعيهم الاخلاقي لمقتل 175 طالبة على مقاعد الدراسة في مدينة ميناب مع بداية الحرب الامريكية والاسرائيلية على ايران وهل يعلموا ان الدماء في غزة لا زالت تنزف والضفة الغربية تعيش تحت وطأة الاعتداءات اليومية ولبنان واليمن يواجهان تداعيات صراع إقليمي مفتوح تقوده واشنطن وتل ابيب بكل عنجهية وغطرسة .
بالطبع لا لان المنظومة السياسية والعسكرية الامريكية لا ترى في ضحايانا سوى ارقام واضرار هامشية بينما ينبري أحد نوابنا الفطاحل للمطالبة بتقديم صكوك التعازي لجنود كانوا مدججين بالسلاح ومستعدين للمعارك وممارسة هواية القتل وماتوا في سياق صراعات دولية كانوا هم اطراف مباشرة فيها .
ان شطب مداخلة النائب غير المشرفة من المحضر واخراجه من القاعة لم يكن مجرد اجراء تنظيمي لمنع الفوضى تحت القبة بل كان حكما اخلاقيا جماعيا وتاريخيا اثبت ان دماء الضحايا المدنيين الابرياء في غزة ولبنان وفي كل عاصمة تنزف هي اثقل في ميزان الكرامة من كل الحسابات الضيقة والتهافت السياسي الفردي .
الكثيرون يتساءلون هل يعقل أن يصبح موت الجندي الامريكي الذي يحمل بندقية في منطقة صراع أكثر حضورًا من موت الطفل الفلسطيني او اللبناني او اليمني او الايراني الذي كان يبحث عن الأمان في منزله أو مدرسته أو مستشفاه وهل أصبحت قيمة الدماء مرتبطة بجنسية صاحبها ومكانته السياسية وقوته العسكرية أم أن الإنسانية الحقيقية يجب أن تبدأ من الضحية الأضعف الذي لا يملك حماية ولا قوة ولا صوتًا ولا قرارا في الحرب.
الامر الاهم الذي لابد من فهمه ان القضية بمجملها ليست خصومة مع الشعب الأمريكي فهناك ملايين من الأمريكيين الشرفاء والاحرار الذين خرجوا في الشوارع رافضين الحرب على غزة ومنددين بسياسات حكومتهم تجاه الفلسطينيين واستمرار الحرب على ايران وقد أثبتوا في هذه المواقف المشرفة أن الشعوب قد تكون أحيانًا أكثر عدلًا من قرارات حكوماتها وأن الضمير الإنساني لا يرتبط بجواز سفر أو جنسية والدول لا تحاسب على مشاعر شعوبها فقط بل تحاسب على سياساتها الرسمية ومواقفها الدولية ولذلك فإن الحديث عن الدور الأمريكي في المنطقة لا يمكن أن يبدأ من لحظة سقوط بعض الجنود ثم نتجاهل عقودًا طويلة من التدخلات العسكرية والسياسات التي تركت آثارًا سلبية عميقة في نفوس شعوب المنطقة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة للنائب صاحب المقترح هل المطلوب من ايناء الشعب الاردني أن ينسوا كل كل الوقائع والجرائم والمجازر وأن يتعاملوا مع سقوط الجنود الأمريكيين الثلاثة كحادث منفصل عن السياق الذي جاءوا فيه وهل المطلوب أن يغلقوا أعينهم عن دماء الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والعراقيين وغيرهم ثم يفتحوها فقط عندما يقتل جنود طرف يمتلك القوة والسيطرة والنفوذ .
لقد كان الأولى بالنائب تحت القبة أن يضع في مقدمة اهتمامه قضايا الشعب الذي منحه الثقة وأن يدافع عن مصالح وطنه وأمنه وكرامته وأن يكون صوته حاضرًا في مواجهة المخاطر التي تحيط بالأردن والمنطقة وفي مقدمتها محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتأييد امريكا المبطن لفرض مشاريع الوطن البديل التي لا تنسجم مع حقوق الشعب الفلسطيني ولا مع المصالح الوطنية الأردنية.
كما أن احترام مشاعر الشعب الأردني ودماء شهدائه الذين سقطوا دفاعًا عن فلسطين وعن القضايا العربية يقتضي من النائب أن يدرك حساسية الموقف وأن يراجع أي خطوة يمكن أن يفهم منها أنها بعيدة عن وجدان الناس الذين أوصلوه إلى موقع المسؤولية وان يقدم اعتذار عن طلبه غير المستحق بحق الوطن والشعب ليسجل موقفًا يحترمه الناخبين ويؤكد أنه يبقى في النهاية ممثلًا لإرادة الشعب قبل أي اعتبار آخر.
مع كل هذا الطرح غير الموضوعي ليعلم كل من تسول له نفسه العبث في بوصلة الوطن ان كراسي البرلمان ليست منصات مفتوحة لتسويق الولاءات الخارجية والرضى الاجنبي كما نه ليس مكسبا مشرفا ان تشترى المصالح والمكاسب بدماء الشهداء واوجاع الامة والتي توجه رسالة واضحة وصارمة لكل مسؤول او مشرع بان يكونوا امتداد حقيقي لنبض شعوبكم الحرة يدافعون عن كرامتها وسيادتها ويرفضون الانحناء امام غطرسة القوى العظمى او فليغادروا مقاعدهم غير مأسوف عليهم لان الشعوب الحية لن ترحم المتخاذلين والتاريخ لن يتساهل مع من يحاول غسل دماء القتلة بدموع التملق والممالأة وستبقى بوصلة الامة واضحة وحادة ولا تنحني الا لأصحاب الحق والارض الشرعيين .
السؤال الذي يطرح نفسه باستغراب هل فكر النائب صاحب الطلب ان مثل هذا المقترح في هذا التوقيت بالذات يسبب احراجا سياسيا كبيرا للدولة الاردنية على الصعيدين الاقليمي والدولي خاصة وانها بغنى تام عن اظهار مؤسساتها البرلمانية وكأنها تقدم تنازلات معنوية مجانية خاصة وهل يعلم ايضا ان التعبير عن التعازي في العلاقات الدولية يمر عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية ( وزارة الخارجية او الديوان الملكي ) وليس عبر مطالب عشوائية من نواب تحت القبة .
في النهاية إن القضية ليست دعوة إلى الفرح بمقتل أحد ولا رفض التعاطف مع عائلات فقدت أبناءها فالحزن على الإنسان قيمة أخلاقية ثابتة ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التعاطف انتقائيًا وعندما يُطلب من شعوب تعيش الألم والفقد اليومي أن تتجاوز جراحها بسرعة بينما تستمر أسباب الألم نفسها قائمة أمام أعينها ويجتاحها شعورًا عميقًا بأن العدالة لا يمكن أن تكون مجزأة وأن الإنسانية لا يمكن أن تعمل بميزانين وقبل أن يطالب النائب المندفع بتوجيه برقية تعزية إلى المؤسسة الامريكية التشريعية يبقى السؤال قائمًا أمام الضمير العالمي كله من يوجه واجب العزاء لأهل غزة واليمن ولبنان وايران الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم وأمنهم وهل ينظر العالم اليهم بموقفً اخلاقي وانساني يوازي حجم مأساتهم الكبرى.
نقلا عن رأي اليوم










