تُخاض الحروب أحيانًا تحت شعارات كثيرة، لكن جوهر بعضها يبقى واضحًا: الدفاع عن الأرض والسيادة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المواجهة الدائرة اليوم باعتبارها حربًا تخوضها إيران دفاعًا عن أراضيها وسيادتها في مواجهة عدوان تشارك فيه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
بل إن كثيرين يرون أن هذه الحرب تحمل بصمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يتوقف منذ عقود عن التحذير مما يسميه «الخطر الإيراني»، منذ كان سفيرًا لإسرائيل في واشنطن في تسعينيات القرن الماضي. منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت إيران في قطيعة كاملة مع إسرائيل، واستُبدلت السفارة الإسرائيلية في طهران بسفارة فلسطين. كما دخلت في حالة خصومة متصاعدة مع الولايات المتحدة، تحولت مع مرور الوقت إلى عداء سياسي وأمني معلن.
واليوم يبدو هذا العداء أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، في ظل العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية الإيرانية على نحو واسع ومنظم. ورغم ذلك، يخرج من يحاول إقناع الرأي العام بأن ما يجري ليس سوى «مسرحية» بين واشنطن وتل أبيب وطهران، وكأن الدمار الواقع على المدن والمنشآت الإيرانية مجرد وهم أو مبالغة إعلامية. صحيح أن لإيران سجلًا مثيرًا للجدل في المنطقة، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، وأن كثيرين من العرب يحملونها مسؤولية سياسات وتدخلات أضرت باستقرار هذه الدول.
غير أن الخلاف مع إيران لا يعني إنكار حقها في الدفاع عن نفسها حين تتعرض لعدوان خارجي. اللافت أن بعض الأصوات تلجأ إلى توصيفات مذهبية وقومية من قبيل «صفوية» أو «مجوسية» أو «شيعية» لتبرير موقفها من الحرب، وكأن معيار الموقف هو الهوية المذهبية لا طبيعة الصراع نفسه. هذه العقلية ذاتها وقفت يومًا ضد مصر عبد الناصر، وقد تقف غدًا ضد تركيا بحجة «العثمانية الجديدة»، وضد باكستان بحجج أخرى.
المشكلة هنا ليست في تقييم سياسات الدول، بل في تحويل كل قوة إقليمية غير عربية إلى خطر مطلق، بينما تتعامل إسرائيل مع العرب والمسلمين باعتبارهم جميعًا خصومًا محتملين، وترى في أي تقدم علمي أو اقتصادي أو اجتماعي في المنطقة تهديدًا لمشروعها. هذا لا يعني تبرئة إيران من أخطائها. فالكثيرون، وأنا منهم، يختلفون مع سياساتها الإقليمية، ويرون أنها أخطأت حين وقفت ضد الثورة السورية ودعمت نظامًا استبداديًا.
كما نؤمن بأن سوريا الديمقراطية الحرة كانت ستكون أقدر على مواجهة المشاريع الغربية والصهيونية من سوريا المقهورة، وأن أي نظام عربي مستبد لا يستطيع أن يبني مقاومة حقيقية أو مشروعًا وطنيًا مستقلًا. لكن التمييز بين الخلاف السياسي والحق في الدفاع عن النفس ضرورة أخلاقية وسياسية. يمكن أن نعارض سياسات إيران في المنطقة، وأن ننتقد تدخلاتها، وفي الوقت نفسه نرفض العدوان عليها واستهداف شعبها وبناها التحتية.
فالمواقف المبدئية لا تُقاس بمدى الاتفاق مع الدولة المستهدفة، بل بمدى الالتزام بفكرة السيادة ورفض الحروب التي تُفرض بالقوة على الشعوب.
نقلا عن رأي اليوم










