حين تفرض الجغرافيا كلمتها... لماذا تعود «إيكواس» إلى باماكو؟

د. الشيخ يب أعليات

لم تكن زيارة الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي إلى باماكو، بصفته الرئيس الدوري للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا )إيكواس(، زيارة ثنائية عادية بين بلدين تجمعهما حدود المصالح والتاريخ. 

فقد وصل فاي إلى العاصمة المالية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وبعد أقل من عشرة أيام على توليه رئاسة «إيكواس»، في أول تحرك له نحو إحدى دول «تحالف الساحل» من موقعه الجديد. 

وُصفت زيارة فاي، إلى باماكو، رسميًا بأنها «زيارة عمل وتضامن»، في تعبير يكشف حجم التحول الذي طرأ على لغة التعامل مع مالي؛ أي من منطق العقوبات والضغط السياسي، إلى منطق التضامن والبحث عن قنوات للتعاون. 

ولا تعني عودة رئيس «إيكواس» إلى باماكو أن مالي تتهيأ للعودة إلى المنظمة التي انسحبت منها رفقة النيجر وبوركينا فاسو؛ فالانسحاب أصبح واقعًا مؤسسيًا، وتحول «تحالف دول الساحل» من تنسيق أمني ناشئ إلى إطار سياسي يسعى إلى بناء مؤسساته ورموزه ومجاله الخاص. 

لكن الزيارة تقول شيئًا آخر لا يقل أهمية؛ تستطيع دولة أن تغادر منظمة، لكنها لا تستطيع مغادرة جغرافيتها، ولا تعطيل المصالح التي تربطها بجيرانها، ولا إقامة جدار يفصل تهديداتها الأمنية عن بقية الإقليم. 

وتتضح عمق هذه الحقيقة، بالعودة إلى جذور الأزمة؛ فقد بدأت القطيعة بين «تحالف دول الساحل» و«إيكواس» حين تعاملت هذه الأخيرة مع الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر باعتبارها تحديا مباشرا، لنظامها المعياري، القائم على رفض الاستيلاء على السلطة بالقوة.

ففرضت عقوبات، وعلقت عضوية الدول المعنية، ولوحت -عقب انقلاب النيجر- باستخدام القوة لاستعادة النظام الدستوري. 

غير أن هذه المقاربة لم تُعِد الحكومات المدنية، ولم تمنع المجالس العسكرية من تثبيت أقدامها؛ بل دفعت الأنظمة الثلاثة إلى توحيد مواقفها، ثم إعلان انسحابها الجماعي، في سابقة هزت أركان تكتل تأسس قبل أكثر من نصف قرن على أركان التكامل الاقتصادي وحرية التنقل.

ورغم أن «إيكواس» منحت مهلة انتقالية امتدت حتى يوليو 2025، إلا أن الدول الثلاث تمسكت بقرارها «الذي لا رجعة فيه». 

لقد كانت العقوبات كفيلة بإرهاق اقتصادات دول الساحل، لكنها عجزت عن إعادة تشكيل خياراتها السياسية. 

وبمرور الوقت، بدأت حدود سياسة العزل تظهر بوضوح؛ حيث اتسعت هشاشة الأمن، وتمددت نفوذ الجماعات المُسلحة، وتضررت حركة السلع والأشخاص، بينما تحول "تحالف الساحل" من كيان تسعى «إيكواس» لتفكيكه إلى واقع إقليمي فرض نفسه على دول غرب إفريقيا. 

ولهذا، لم تعد المسألة تتلخص في استعادة المنسحبين إلى مقاعدهم، بل في منع الانقسام المُؤسسي من التحول إلى قطيعة أمنية واقتصادية شاملة. 

ومن هذا المنظور، يبدو باسيرو ديوماي فاي الشخصية الأكثر ملاءمة لقيادة هذه المرحلة الانتقالية؛ فقد كلفته قمة «إيكواس» منذ يوليو 2024 بتيسير الحوار مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو (إلى جانب الرئيس التوغولي)، ثم جُددت مهمته لمنع الانفصال النهائي. 

ينتمي فاي إلى شرعية انتخابية صريحة، لكنه يحمل في الوقت ذاته خطابا إفريقيا سياديا يجعله أقرب -من حيث اللغة السياسية- إلى قادة دول الساحل منه إلى رؤساء أخرين في غرب إفريقيا.

فقد وصل إلى السلطة حاملا مشروع إعادة التوازن في علاقات السنغال الخارجية، ومراجعة التبعية الاقتصادية، وتعزيز السيادة الوطنية. 

كما اتخذت دكار في عهده مسافة أبعد عن الحضور العسكري الفرنسي، دون أن تنزلق إلى القطيعة الشاملة التي طبعت علاقات باماكو ونيامي وواغادوغو بباريس. 

ولهذا يستطيع فاي أن يخاطب أنظمة الساحل بلغة تفهم حساسيتها تجاه الضغوط الخارجية، دون أن يتخلى عن مبدأ التداول الدستوري الذي تمثله «إيكواس». 

ويضعه ذلك بين شرعيتين تتنافسان اليوم، على على رسم الخريطة السياسية في غرب إفريقيا؛ شرعية الانتخابات والمؤسسات الدستورية، وشرعية السيادة ومواجهة النفوذ الخارجي التي تعتمد عليها الأنظمة العسكرية في تبرير بقائها. 

وعلى صعوبة التوفيق بين هاتين الشرعيتين، فإن استمرار الصراع بينهما لم يعد ترفا يتحمله الإقليم؛ فالمعضلة الأمنية في الساحل لا تعترف بالحدود، وكلما اتسعت رقعة نشاط الجماعات المسلحة في مالي، اقترب الخطر من السنغال وموريتانيا ودول خليج غينيا. 

ذلك أن الجماعات المسلحة لا تميز بين عضو في «إيكواس» وآخر في «تحالف الساحل»، ولا تكترث بالخلافات القانونية التي قسمت المنطقة إلى كتلتين. 

ومن هنا، تأتي «زيارة التضامن» إقرارا بأن أمن باماكو ليس شأنا داخليا محليا، بل جزء أصيل من الأمن القومي الجماعي لغرب إفريقيا. 

وتزداد هذه الحقيقة وضوحا في الشراكة بين السنغال ومالي؛ فمالي دولة حبيسة، ويشكل ممر «دكار–باماكو» شريانها التجاري الأهم نحو الأطلسي، فيما تعتمد الموانئ وشركات النقل السنغالية على هذه الحركة الاقتصادية. 

وأي اضطراب أمني أو سياسي يعطل هذا الممر، لا تتوقف آثاره عند حدود مالي، بل ينعكس فورًا على أسعار السلع وحياة السكان على جانبي الحدود. 

ومن هنا، يكمن المعنى الأعمق للزيارة؛ وهو أنَ «إيكواس» لا تعود إلى باماكو لأنها انتصرت في معركتها، ولا تستقبلها مالي لأنها تراجعت عن قرارها؛ بل يعود الطرفان لأن كلفة القطيعة أصبحت أثقل من مكاسب التشدد السياسي. 

لقد أدركت المنظمة أن العقوبات لا تصنع ديمقراطية بالضرورة، واكتشف "تحالف الساحل" أن الاستقلال المُؤسسي لا يعني الاستغناء عن الجوار. 

ومع ذلك، تفرض عودة الحوار تساؤلات قد تكون وجيهة من قبيل: كيف تتعاون «إيكواس» مع أنظمة ترفض تحديد آجال واضحة للعودة إلى الحكم المدني، من دون أن تبدو وكأنها تخلت عن مبادئها؟ 

وكيف تنخرط دول الساحل في ترتيبات أمنية وتجارية مع منظمة تتهمها بالخضوع لتأثيرات خارجية، من دون أن تهتز سرديتها السيادية؟ 

ثم هل تستطيع الزيارات الرئاسية بناء آلية تعاون دائمة، أم تبقى مجرد محاولات لاحتواء الأزمات عند اشتدادها؟ 

ولا تكمن الإجابة الواقعية في إعادة الوضع القديم كما كان، ولا في ترسيخ انفصال كامل بين المنظومتين؛ والأرجح أن غرب إفريقيا يمضي نحو «نظام إقليمي مزدوج»؛ كتلتان منفصلتان سياسيا، لكنهما محكومتان بالتنسيق الإجباري في مجالات الأمن والتجارة والتنقل والطاقة. 

وقد تكون مهمة فاي الأساسية هي تنظيم هذا التعايش، لا استعادة وحدة أصبحت شروطها بعيدة المنال. 

و من هذا المنظور، قد تكون أيضا، زيارة باماكو بداية مراجعة هادئة داخل «إيكواس»؛ فقد أثبتت التجربة أن الدفاع عن الشرعية الدستورية -رغم أهميته- لا يكفي وحده لصياغة سياسة إقليمية ناجحة، وأن إغلاق الأبواب أمام الأنظمة العسكرية دفَعها لبناء تحالفات موازية والبحث عن شركاء جُدد. 

كما أثبتت تجربة دول الساحل أن خطاب السيادة، مهما امتلك من قوة تعبئة، لا يستطيع وحده تأمين الطرق أو تحريك التجارة أو وقف تمدد الجماعات المسلحة. 

وهكذا، لم تدم القطيعة كما بدت في لحظة إعلانها؛ فقد ظل الانفصال المؤسسي قائما، لكن الجغرافيا أعادت فرض كلمتها.

وأخيرا يمكن القول إنَ فاي لم يذهب إلى باماكو، ليزور دولة خرجت من «إيكواس»، بل كان يختبر قُدرة المنظمة على الانتقال من سياسة العقاب إلى دبلوماسية الاعتراف بالواقع، ومن السعي إلى إعادة الماضي إلى بناء صيغة ممكنة للمستقبل. 

إنَ المنظمات قد ترسم حدود العضوية، لكن الطرق والأسواق والتهديدات المشتركة هي من يرسم ملامح الإقليم؛ وهذا الإقليم، مهما اختلفت توجهات قادته، لا يملك في النهاية سوى أن يتحاور.

 

أربعاء, 29/07/2026 - 22:01