خريطة جينية غير مسبوقة تكشف أهدافاً علاجية محتملة لفشل القلب

كشف باحثون أميركيون عن خريطة، هي الأكثر تفصيلاً حتى الآن، للتغيرات التي تصيب آليات تنظيم الجينات داخل القلب البشري أثناء تطور فشل القلب، في خطوة قد تساعد على تحديد أهداف جديدة لتطوير أدوية أكثر دقة ضد المرض.

وقال فريق من جامعة "يوتا هيلث" وجامعة "كاليفورنيا في سان دييجو" إن الخريطة الجديدة تتيح تتبع الطريقة التي تتغير بها السيطرة على الجينات داخل أنواع محددة من خلايا القلب، وصولاً إلى مستوى الخلية المفردة، وربط التغيرات الجينية المرتبطة بأمراض القلب بالخلايا والمسارات البيولوجية التي تتأثر فعلياً.

ونُشرت الدراسة في دورية Science، واعتمدت على دمج عدة أنواع من البيانات الجينية والتنظيمية للكشف عن شبكات التحكم في الجينات خلال فشل القلب.

ويُعد فشل القلب مشكلة صحية عالمية كبرى تحدث عندما تعجز عضلة القلب عن ضخ كمية كافية من الدم لتلبية احتياجات الجسم. ورغم التطور الكبير في العلاجات خلال العقود الماضية، لا يزال الباحثون يبحثون عن أهداف بيولوجية جديدة يمكن التدخل فيها دوائياً، خصوصاً لدى المرضى الذين يستمر لديهم تدهور وظيفة القلب.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ستافروس دراكوس، أستاذ طب القلب والأوعية الدموية في جامعة يوتا هيلث، إن العمل الجديد يقدم "خريطة طريق" للأنواع الرئيسية من الخلايا الموجودة في حجرات القلب الأربع، سواء في القلب السليم أو المصاب بالفشل.

وأضاف دراكوس أن النتائج توفر إطاراً لفهم المسارات البيولوجية التي تسهم في نشوء فشل القلب، وتطرح عدداً من الأهداف التي يمكن دراستها من أجل تطوير علاجات جديدة.

 

أكثر من 750 ألف خلية قلبية

كانت إحدى المشكلات التي واجهت الباحثين لسنوات أن الدراسات الجينية حددت عدداً كبيراً من الاختلافات في الحمض النووي المرتبطة بأمراض القلب، لكن معظم هذه التغيرات لا يقع داخل الجينات التي تحمل التعليمات اللازمة لإنتاج البروتينات.

وبدلاً من ذلك، يوجد أكثر من 85% من تلك التغيرات في مناطق تُعرف باسم "الحمض النووي غير المشفر"، وهي أجزاء من الجينوم لا تنتج البروتين مباشرة، لكنها تؤدي دوراً مهماً في تحديد متى وأين وبأي درجة يتم تشغيل الجينات أو إيقافها ما جعل تحديد كيفية تسبب تلك المتغيرات الجينية في المرض، والجينات التي تؤثر فيها بالفعل، مهمة شديدة التعقيد.

ولمحاولة حل هذه المشكلة، درس الباحثون عينات من أنسجة القلب مأخوذة من 36 شخصاً، بينهم أشخاص مصابون بفشل القلب وآخرون غير مصابين به، وحللوا أكثر من 750 ألف خلية قلبية منفردة باستخدام تقنيات متعددة لدراسة التعبير الجيني وتنظيم الكروماتين وبنية الجينوم.

وتمكّن الفريق من تحديد 12 نوعاً رئيسياً من خلايا القلب، إلى جانب عشرات المجموعات الفرعية، ولكل منها نمط مميز من تنظيم الجينات؛ وكشفت المقارنة بين القلوب السليمة والمصابة أن فشل القلب لا يغيّر نشاط الجينات فحسب، بل يعيد تشكيل التركيبة الخلوية للنسيج نفسه.

فقد احتوت القلوب المصابة على عدد أقل من خلايا عضلة القلب المسؤولة عن الانقباض، وفي المقابل ارتفعت أعداد الخلايا المناعية والخلايا الليفية التي توفر الدعم البنيوي للقلب وتسهم في تكوين النسيج الندبي والتليف.

 

تغير نشاط أكثر من 10 آلاف جين

وأظهرت التحليلات أن الخلايا الموجودة في القلوب المصابة بفشل القلب شهدت تغيراً في نشاط أكثر من 10 آلاف جين، إلى جانب تغيرات في قابلية الوصول إلى الحمض النووي في أكثر من 50 ألف موقع عبر الجينوم.

وكانت تلك التحولات واضحة بصفة خاصة في خلايا عضلة القلب والخلايا الليفية، ما يشير إلى إعادة برمجة واسعة للشبكات التي تتحكم في نشاط الجينات مع تقدم المرض.

ولاحظ العلماء كذلك أن انتقال الخلايا من الحالة الطبيعية إلى الحالة المرتبطة بفشل القلب لا يحدث في خطوة واحدة.

فخلايا عضلة القلب، على سبيل المثال، مرت بعدة حالات وسيطة قبل الوصول إلى الحالة المرضية، بينما تمكّن الباحثون من تتبع المسارات التي تنتقل من خلالها الخلايا الليفية الطبيعية إلى خلايا ليفية نشطة وخلايا عضلية ليفية، وهي خلايا تلعب دوراً رئيسياً في التليف وإعادة تشكيل نسيج القلب.

وقال نيل تشي، أستاذ الطب في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، إن تلك المراحل الوسيطة تمثّل النقطة التي يكون فيها المرض "قيد التشكل بالفعل"، مضيفاً أن فهم هذه التحولات ربما يتيح مستقبلاً التدخل في وقت أبكر وأكثر فاعلية.

 

ربط الجينات بالخلايا المصابة

ومن أهم جوانب الدراسة محاولة حل مشكلة أساسية في علم الوراثة تتمثل في معرفة أي المتغيرات الجينية المرتبطة بالمرض يؤدي بالفعل دوراً سببياً، والجينات التي تتأثر به داخل خلايا الجسم.

ولتحقيق ذلك، جمع الباحثون خريطتهم الخلوية مع بيانات دراسات الارتباط على مستوى الجينوم، وهي دراسات تبحث في الاختلافات الوراثية الأكثر شيوعاً لدى الأشخاص المصابين بأمراض معينة.

ووجد الفريق أن العديد من المتغيرات الوراثية المرتبطة بأمراض القلب تتركز في مناطق تنظيمية نشطة في أنواع معينة من الخلايا، وعلى نحو خاص في خلايا عضلة القلب.

كما أظهرت الدراسة أن بعض هذه المناطق يمكن أن تؤثر في جينات تقع بعيداً عنها نسبياً داخل تسلسل الحمض النووي، وذلك بفضل الطريقة ثلاثية الأبعاد التي يلتف بها الجينوم داخل نواة الخلية، بحيث يمكن لمناطق بعيدة على امتداد الحمض النووي أن تتلامس فعلياً مع بعضها البعض.

 

وأشارت النتائج إلى أن بعض الجينات الموجودة داخل خلايا عضلة القلب قد تمثّل أهدافاً علاجية أكثر أهمية مما كان معروفاً سابقاً.

ولفت نيل تشي إلى أن الهدف النهائي من الخريطة الجديدة هو العثور على أهداف يمكن التدخل فيها علاجياً، منوهاً إلى أن أحد القيود الكبيرة في طب القلب حالياً ليس غياب الوسائل اللازمة لتطوير الأدوية، وإنما عدم معرفة عدد كافٍ من الأهداف البيولوجية المناسبة.

 

خريطة للأدوية المستقبلية 

ولا تعني النتائج أن الباحثين توصلوا بالفعل إلى دواء جديد لفشل القلب. فالدراسة ركزت أساساً على رسم الشبكات الجينية والخلوية المرتبطة بالمرض وتحديد مسارات يمكن اختبارها مستقبلاً.

وسيحتاج أي هدف علاجي محتمل يظهر من هذه الخريطة إلى دراسات مخبرية وتجارب على نماذج المرض، ثم دراسات سريرية، للتأكد من أن التدخل فيه قادر على تحسين وظيفة القلب بأمان لدى المرضى.

لكن الباحثين يقولون إن قيمة الأطلس تكمن في تضييق نطاق البحث، وتحويل آلاف المتغيرات الوراثية والإشارات الجزيئية إلى مجموعة أكثر تحديداً من الخلايا والجينات والمسارات التي يمكن استهدافها.

وبدأ الفريق بالفعل تطوير طرق لاختبار بعض الأهداف المرشحة التي كشفت عنها الدراسة، على أمل تحويل الخريطة الجينية إلى علاجات دقيقة تستهدف الآليات المناسبة داخل الخلايا المناسبة وفي المراحل المناسبة من المرض.

ونبّه الباحثون إلى أن قاعدة البيانات نفسها قد تصبح مورداً للمجتمع العلمي، إذ تسمح لفرق أخرى بدراسة العلاقة بين المخاطر الوراثية، وتنظيم الجينات، والتغيرات التي تحدث داخل الخلايا خلال تطور فشل القلب.

ويرى دراكوس أن أهمية العمل تمتد أيضاً إلى المرضى الذين تبرّعوا بأنسجة القلب على مدار سنوات وأتاحوا بناء هذه الخريطة، معتبراً أن تحويل تلك العينات إلى اكتشافات يمكن أن تقود في النهاية إلى علاجات جديدة يمثّل تحقيقاً للهدف الذي شارك المرضى من أجله في الأبحاث.

نقلا عن الشرق للأخبار

سبت, 25/07/2026 - 15:01