أثار ما نُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون، بشأن إمكانية الاستعانة بالرئيس السوري أحمد الشرع للمساعدة في تفكيك حزب الله، موجة واسعة من التساؤلات. فهل تمتلك دمشق القدرة على القيام بمثل هذا الدور؟ والأهم، هل تملك الإرادة السياسية لتحمل تبعاته؟
بعيداً عن التصريحات الإعلامية، تبدو الإجابة الأقرب إلى الواقع: لا. ليس لأن سوريا عاجزة عن التأثير، بل لأن كلفة التدخل تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
فدمشق تدرك أن انخراطها في الملف اللبناني لن يُنظر إليه بوصفه مساهمة في استقرار لبنان، بل سيُفسَّر على أنه عودة إلى الدور الأمني السوري الذي انتهى بانسحاب الجيش السوري عام 2005. والقيادة السورية الجديدة، الساعية إلى ترسيخ شرعيتها داخلياً وخارجياً، لا ترغب في استعادة صورة الوصاية على لبنان، بعدما قدمت نفسها بوصفها دولة تسعى إلى الاستقرار وإعادة البناء.
لكن هذا ليس السبب الوحيد.
فالملف لا يتعلق بحزب الله وحده، بل بإيران أيضاً.
فأي مواجهة سورية مع حزب الله ستُقرأ في طهران على أنها استهداف مباشر لأحد أهم حلفائها في المنطقة. وإيران لا تملك أوراقها في لبنان فحسب، بل تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء في العراق، وفي مقدمتهم الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي والقوى المسلحة القريبة منها.
ومن هنا يبرز أحد أخطر الهواجس السورية.
فإذا انخرطت دمشق في مواجهة داخل لبنان، فقد تجد نفسها أمام ضغوط متزامنة على حدودها الشرقية مع العراق، حيث تستطيع الفصائل الموالية لإيران تصعيد نشاطها العسكري أو الأمني، بما يجبر الجيش السوري على توزيع قواته بين جبهتين، ويستنزف قدراته في مرحلة لا تزال الدولة السورية منشغلة فيها بإعادة تثبيت الأمن وبناء مؤسساتها.
بمعنى آخر، قد يؤدي أي تحرك في لبنان إلى فتح جبهة ثانية في الشرق.
ولا يقل العامل التركي أهمية عن ذلك.
فرغم التحسن الكبير في العلاقات بين أنقرة ودمشق، فإن تركيا ليست معنية بإعادة سوريا إلى المستنقع اللبناني. فهي تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، وتدرك أن إدخال دمشق في مواجهة مع حزب الله قد يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار التي تحاول المنطقة تجاوزها.
كما أن تركيا، رغم تنافسها مع إيران على النفوذ في سوريا والمشرق، لا ترغب في دفع العلاقة معها إلى مواجهة مفتوحة، بل تعتمد سياسة تقوم على إدارة التنافس لا تفجيره، وتفضّل تقليص النفوذ الإيراني تدريجياً عبر تعزيز مؤسسات الدولة السورية، لا عبر إشعال صراع إقليمي جديد.
ولا يعني ذلك أن تركيا ترفض بالضرورة إضعاف النفوذ الإيراني، لكنها ترفض أن يتم ذلك عبر انفجار أمني يعيد إنتاج الفوضى في سوريا والمنطقة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتدرك دمشق أن أي انخراط في هذا الملف لا بد أن يقابله ثمن سياسي واقتصادي واضح. فإذا كانت الولايات المتحدة تطلب من سوريا المساهمة في إضعاف أحد أهم أركان النفوذ الإيراني في المشرق، فمن الطبيعي أن تطالب القيادة السورية بمقابل يوازي حجم المخاطرة.
وفي مقدمة هذه المطالب يبرز ملف الجولان. فمن الصعب تصور أن تقدم دمشق خدمة استراتيجية بهذا الحجم، فيما يبقى هذا الملف خارج أي تفاوض. غير أن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها تقديم ضمانات بشأنه، لأن القرار النهائي يبقى بيد إسرائيل، التي لا توجد مؤشرات حتى الآن على استعدادها للدخول في مفاوضات تؤدي إلى الانسحاب منه.
ولا يقتصر الأمر على الجولان، بل يشمل أيضاً رفع أو تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية التي ما زالت تعيق تعافي الاقتصاد السوري، إلى جانب توفير دعم اقتصادي واسع لإعادة الإعمار، واستقطاب استثمارات عربية ودولية تعيد تشغيل البنية التحتية وتحفّز النمو. فمن غير المنطقي، من منظور دمشق، أن تخوض مواجهة قد تستجلب ردود فعل إيرانية أو عراقية، بينما تبقى العقوبات قائمة والاقتصاد السوري يرزح تحت الضغوط نفسها.
وهكذا تجد دمشق نفسها أمام معادلة واضحة: مخاطر مرتفعة، مقابل مكاسب غير مضمونة.
أما لبنان نفسه، فلا يبدو أنه يرحب بمثل هذا السيناريو. فالرئيس جوزاف عون شدد، وفق ما نُقل عن لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، على أن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، لا من خلال عودة أي دور أمني سوري داخل الأراضي اللبنانية.
لكل هذه الأسباب، يبدو الحديث عن دور سوري مباشر في لبنان أقرب إلى فكرة سياسية طُرحت في إطار النقاش، منه إلى مشروع قابل للتنفيذ.
فالسيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في دخول قوات سورية إلى لبنان أو تولي دمشق مهمة تفكيك حزب الله، بل في دور أكثر محدودية يقتصر على ضبط الحدود السورية ـ اللبنانية، ومنع تهريب السلاح، وتعزيز التنسيق الأمني بين الدولتين.
وفي الشرق الأوسط، غالباً ما تكون القدرة على تجنب الحرب أكثر أهمية من القدرة على خوضها.
لذلك، فإن امتناع سوريا عن التدخل في لبنان لا يعكس ضعفاً، بقدر ما يعكس إدراكاً دقيقاً لتعقيدات الجغرافيا السياسية وتشابك الجبهات. فدمشق لا ترفض التدخل لأنها لا تملك القدرة، بل لأنها تدرك أن الدخول إلى لبنان قد يكون أسهل من الخروج منه، وأن أي معركة هناك قد تفتح عليها أبواباً لا تملك ترف مواجهتها، من العراق إلى إيران، ومن العقوبات إلى إعادة الإعمار والجولان.
نقلا عن رأي اليوم










