وأخيرا.. ينال عون شرف لقاء ترامب

د. بلال اللقيس

يواجه لبنان اشّد تحّدياته وأكثرها تفسيرا لحقيقة الخلاف فيه وعليه دون مواربة ولا مخادعة . مرحلة  فتنة المصطلحات وتجييرها بين طرفي الصراع قد انتهت واتضح لب الصراع أكثر من أي وقت مضى. اتسع الاستقطاب على تعريف كينونة لبنان ورسالته وانسانيته أي على الجوهر الإنساني الأخلاقي والمعياري للوطن وليس على السياسة والمؤسسات ، فالدولة اولا فكرة وروح والأجهزة هيكل الفكرة . الكل اليوم بات على بيّنة من الإنقسام اللبناني بين فئة ترى أن أميركا توهب السيادة والاستقلال ومعنى الحياة لذلك تطلب ذلك من ترامب بينما الفئة الأخرى ترى في اميركا سبب مشكلات لبنان بل والعالم وان السيادة لا توهب انما تصنع . فئة تقول باصالة المجتمع الدولي يقصد أنظمة الغرب وثانية تنظر في ان الشعوب عامة هي الأصل والرأي العام العالمي معاد لنظام الولايات المتّحدة وكاره . فئة تعرف الحياة في نمط العيش وأخرى تراها موقف وشهادة للحق اولا فئة ترى الإنسانية تبنى بالأنسب  اي ببالذي يناسب تفضيلات وغرائز معينة مقابل من يراها تقوم بالأفضل لا بالأنسب وان  الحياة ليست اولا في القصور المزخرفة بل في الضمائر الحية. من يرى أميركا أبدية في آحاديتها ومن يؤمن أنّها ليست كذلك ولن تكون وان تخاذلنا عن حقنا وواجبنا اوصل إلى هنا ، فئة ترى بالمقاومة خطر وتضييع والثانية تعتبر أنّ الأوّلى حرمت نفسها شرف المقاومة ولم تتذوّقها لتعرف جوهرها وآثارها.

تركز الفئة الأوّلى في بعض الأنظمة العربية كنموذج بينما يرّكز الثاني في الشعوب العربية وإرادتها وانها تعاني من الأنظمة الشمولية التابعة . يرى الأوّل انسانيته في حياده عن واجب المقاومة ويرى الثاني أن  المقاومة وثقافتها هو الطبيعي والعقلائي والمنسجم مع الإنسانية السليمة. تصر فئة أنّ قوة لبنان ليست في سلاحه بل في رسالة العيش فيه وفي إنسانيته ويوافق الطرف الثاني أنّ ميزة لبنان هي رسالته الأخلاقية وتنوعه لكن إنسانيته تمّر بملازمة الحق ورفض الطغيان وليس التماهي معهما لذلك تنظر  الأوّلى إلى  مستقبل لبنان بعيداً عن فلسطين وبالتطبيع مع إسرائيل بينما ترى الثانية أنّ الأمن الاقليمي مشترك بل وواحد لا سيما بين لبنان وفلسطين وسوريا والعراق …. وهكذا تستمر الثنويات في هذا البلد منذ نشأته. واقعا نحن أمام جغرافيا واحدة لكن تفسيرات متضادة ورؤى وتصورات وتفضيلات …. وهذا ما يجعل مقولة لهم ثقافتهم ولنا ثقافتنا صحيحة فعلاً ويفسر لماذا لا زال لبنان أشبه بسياسة منه بكينونة فيها معان ثابتة محددة ومتفق عليها ، فكل شيء فيه سائل حتى الدستور بل حتى تعريف الانسانية ومضمونها (راجع استخدام بطرك الموارنة لكلمة الانسانية في خطابه الأخير) .

 … لك أن تنظر الى حالة الفرح التي ضربت محياه حتى استحالت صوره شيءا من التندر  ، يغمره الحبور والشعور بالفخار أنّه في نادي ترامب  والى جانبه وانه استقبله بعد عام ونصف من المحاولات !! بقول لأكبر مجرم وقاتل للأطفال والانسانية يقول له أنّك رجل عظيم ويتملّق له لدرجة علق ترامب قائلاً له “أنت تحسن مخاطبتي فسأعطيك ما تريد” !! وهذا ما يجعلك تلمس ماذا يعني أنّ السيادة نزعة نفسية وقيمة أخلاقية تشح عند من في موقع السلطة الذي هو مؤتمن عليها قبل أن تكون ممارسة سياسية تقوم بها بها من في السلطة نيابة عن الشعب . هذا بعض ما في الشكل ، أمّا في المضمون وهو الاهم . فصحيح أنّه من المبكر أن نحكم على نتائج الزيارة ومفاعيلها لكن ما تكوّن حتّى الآن من قبل وخلال ومن بعد اللقاء أكّد عدّة أمور . أولاً لا زالت أميركا تنظر الى لبنان كعقدة ومعضلة بسبب فاعلية ثقافة المقاومة وتجذرها فيه و لا زالت تتعاطى معه من خلال غيره وليس من خلاله ذاتاً فلا تعتبره كياناً مستقلاً فهل رأيتم في التاريخ رئيساً يقبل أن يتحدّث أحد أمامه عن طرح استعانة بخارج لضرب مجتمعه ويسكت !! أو يقول ترامب له انه جاهز أن يتواصل مع حزب الله ويحكي مباشرة إذا وافق عون ، ففي الحالتين هل هذا تهديد أم أنّ ترامب يدّل جوزيف عون على الخيارات المحدودة أمامه ويفرض عليه المسالك التي يجب ان يسلكها . فطرح مسالة امكانية الكلام مع حزب الله يعني التسوية مع إيران قد تأتي او ان النظام السياسي اللبناني قابل ان يناقش مقابل خطة لاحتواء السلاح الموثر على اسراءيل وحتماً ستكون على حساب جوزيف عون أمّا طرح اقحام الخارج فهو أيضاً إعادة صياغة لبنان بعيداً عن المسلك والحلول الداخلية الى الخارجية فيما لو فشلت المفاوضات مع إيران ولم ترض المقاومة بالعرض ، وربّما لم يحب ترامب أن يقول لجوزيف عون أنّ إسرائيل أيضاً خياراً أخيراً ولو انه غير محبّذ الآن لأنّها لن تستطيع الا تأزيم المنطقة وجّر ترامب الى حرب مفتوحة ولم تستطع هزيمة المقاومة ولو انها تستطيع لفعلت فقد أعطاها كل الوقت والاحتياجات لهذا الغرض لأعوام ثلاث !.

وعليه ، الى أن يدرس جوزيف عون ويقلب خياراته المحدودة والمفروضة عليه أصلاً  والى ان تحسم الادارة الأميركية سياستها حيال المنطقة بدءا من مستقبل اشتباكها مع إيران ونواتجه وانعكاساته ، إلى ذاك الحين يمكن ل”مغيطة” النسلية المسماة بالمناطق التجريبية أن تكون كعلكة الطفل الذي يفرح بها ويندهش محاولاً أن يقول لشعب لبنان لقد أتيتكم بشيء عظيم ومدهش فاندهشوا معي!!. من هنا كان لهذا الابتكار الأمريكي الذكي أن يكون خيط علكة لا تنهي حكايته يتسلى به عون وتستفيد منه إسرائيل في تعميق انقسام  اللبنانيين ولا يكون فيه أي التزام أمريكي بل كلمات ومصطلحات فضفاضة مطاطة غير محددة بمعايير واضحة ولا بزمن إنّما شراء وقت وادارة تكتية للأزمة واجتذاب فصيل لبناني بالكامل لأجندة أميركا ، وأعطى ضيفه المنبهر كالطفل ما يكفي من الوعود والنكات لإستغلاله أو لتجاوزه في لحظة تأتي تحاك أو توصل اليها التوازنات الإقليمية والعوامل الموضوعية .

نقلا عن رأي اليوم

خميس, 23/07/2026 - 22:30