شارك الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بصفته ضيف شرف، قبل أيام، في قمة مستقبل الاندماج الجهوي والدورة العادية التاسعة والستين للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، المنعقدة في فريتاون.
وقد يبدو حضوره إلى جانب قادة المنظمة مشهدا دبلوماسيا اعتياديا، لا يتجاوز البُعد البروتوكولي المتمثل في مشاركة رئيس دولة مجاورة في قمة منظمة لا تنتمي بلاده إلى عضويتها.
غير أن وضع هذا الحضور في سياقه التاريخي يكشف أنه يعكس تحولًا أعمق في موقع موريتانيا داخل غرب إفريقيا؛ فالدولة التي انسحبت من «الإيكواس» عام 2000، في خطوة فُسرت آنذاك على أنها ابتعاد عن فضائها الغرب إفريقي، عادت اليوم إلى قلب النقاشات الإقليمية، لا بوصفها دولة تسعى إلى استعادة مقعدها، بل شريكًا بات حضوره مطلوبًا في مرحلة تبحث فيها المنطقة عن صيغة جديدة لإعادة بناء تماسكها.
وتكمن المفارقة في أن موريتانيا تبدو اليوم أكثر أهمية بالنسبة إلى غرب إفريقيا وهي خارج المنظمة، مما كانت عليه خلال بعض مراحل عضويتها فيها.
ولا يفسَّر هذا التحول بمجرد نشاط دبلوماسي أو تغير في الخطاب الرسمي، بل بتقاطع مسارين متوازيين: أولهما، تحولات إقليمية عميقة أعادت ترتيب أولويات غرب إفريقيا؛ وثانيهما، مسار موريتاني نجح تدريجيا في إعادة إنتاج القيمة الاستراتيجية للدولة داخل محيطها.
انتقلت موريتانيا، خلال العقد الأخير، من دولة تقع عند تقاطع أقاليم مُتعددة دون أن تستقر بالكامل في أي منها، إلى دولة تستمد جزءًا متزايدا من أهميتها من موقعها عند نقطة التقاء تلك الأقاليم؛ فهي تجمع بين انتماء مغاربي ثقافي وسياسي، وامتداد ساحلي تفرضه الجغرافيا والاعتبارات الأمنية، وعمق غرب إفريقي تشكله روابط التاريخ والمجتمع والاقتصاد، إضافة إلى بعد أطلسي تعززه الموارد الطبيعية ومشاريع الطاقة.
ولذلك، لم يعد موقعها الجغرافي يُنظر إليه بوصفه إشكالا في تحديد الانتماء، بل تحول إلى مورد استراتيجي يُتيح لها التحرك بين فضاءات مُتباينة، والتواصل مع أطراف تراجعت بينها فُرص الحوار.
غير أن هذا التحول لا يمكن تفسيره بالجغرافيا وحدها، مهما بلغت أهميتها؛ فالموقع الجغرافي يظل عُنصرا ثابتًا، بينما تتغير المكانة الإقليمية بتغير البيئة المحيطة وقدرة الدولة على استثمار مزاياها.
ومن هنا، يصبح فهم التحولات التي شهدتها غرب إفريقيا مدخلًا ضروريا لفهم الصعود النسبي للمكانة الموريتانية.
تجاوز آثار الانسحاب
انضمت موريتانيا إلى الدول المؤسسة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عام 1975، قبل أن تنسحب منها سنة 2000.
وقد فُسر هذا القرار، آنذاك، في سياق تحول الأولويات الموريتانية نحو اتحاد المغرب العربي، والرغبة في التحرر من بعض التزامات الاندماج الاقتصادي والجمركي داخل «الإيكواس».
ومع مرور الوقت، ترسخت سردية مفادها أن نواكشوط غادرت غرب إفريقيا سياسيًا واختارت فضاءها المغاربي.
غير أن هذه القراءة خلطت بين الانسحاب من مؤسسة إقليمية والانفصال عن المجال الجغرافي الذي تنتمي إليه الدولة. فالمنظمات يمكن الانسحاب منها، أما الجغرافيا فلا تُلغى بقرار سياسي.
ولهذا، استمرت بعد عام 2000 حركة الأشخاص والبضائع والأفكار بين موريتانيا وجوارها الجنوبي، كما ظلت السنغال ومالي تُمثلان عُمقًا اقتصاديًا وأمنيًا لا غِنى عنه، ولم تنقطع الروابط الاجتماعية والدينية والتجارية التي سبقت نشأة الدول الحديثة نفسها.
وزاد تعثر اتحاد المغرب العربي من حضور هذا الواقع؛ إذ فرضت مقتضيات الجوار الغرب إفريقي نفسها مُجددًا على السياسة الخارجية الموريتانية. فالسوق الطبيعية لجزء مهم من المنتجات الموريتانية تمتد جنوبا، بينما ترتبط أبرز التحديات الأمنية بفضاء الساحل، في حين يُمثل نهر السنغال مجالا اقتصاديا وبشريا مشتركا.
لذلك، لم يُؤدِّ الانسحاب إلى قطيعة مؤسسية كاملة؛ ففي عام 2017 أعادت موريتانيا و«الإيكواس» تنظيم علاقتهما عبر اتفاقية الانتساب، التي أقرت عمليا بأن المصالح الاقتصادية والأمنية المُتبادلة تفرض استمرار التعاون، حتى في غياب العضوية الكاملة.
وتتجاوز أهمية هذه الاتفاقية بعدها القانوني؛ إذ تعكس انتقال العلاقة من منطق الالتزام المؤسسي الشامل إلى منطق الشراكة المرِنة، التي تسمح للطرفين بالتعاون في الملفات ذات الأولوية دون التقيد الكامل بالمنظومة التنظيمية للمنظمة.
وقد بدا هذا النموذج أكثر انسجاما مع الخصوصية الجيوسياسية لموريتانيا، التي لم تكن يوما دولة هامشية بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، بل دولة تخوم بالمعنى الإيجابي للكلمة؛ أي فضاءً للالتقاء والتفاعل.
ومن طبيعة دُول التخوم أنها قد تبدو، في فترات الضعف، أسيرة لتداخل الانتماءات وتأثير أزمات الجوار، لكنها تتحول، في أوقات أخرى، إلى جسور للتواصل والوساطة وربط المصالح، وهنا تحديدا بدأت ملامح التحول في المكانة الموريتانية تتشكل.
تحول البيئة الإقليمية
لا يمكن تفسير الصعود النسبي للمكانة الموريتانية بالتحولات الداخلية وحدها؛ إذ إن البيئة الإقليمية نفسها شهدت تغيرات عميقة أعادت ترتيب موازين القوة وأولويات التعاون في غرب إفريقيا والساحل.
فالمكانة، في نهاية المطاف، لا تتحدد فقط بما تمتلكه الدولة من مقومات، وإنما بما يطرأ على محيطها من تحولات تجعل تلك المقومات أكثر أو أقل قيمة.
وقد شهدت المنطقة، خلال سنوات قليلة، سلسلة من الانقلابات العسكرية، واتساعا لنشاط الجماعات المسلحة، وتراجعا لسلطة الدولة في أجزاء واسعة من الساحل، إلى جانب تصاعد الخلاف بين بعض الأنظمة و«الإيكواس»، وصولا إلى الانسحاب الرسمي لمالي والنيجر وبوركينا فاسو من المنظمة وتأسيسها كونفدرالية دول الساحل.
وقد مست هذه التطورات البنية التي قام عليها النظام الإقليمي في غرب إفريقيا منذ نهاية الحرب الباردة؛ فالمنظمة التي بنت جزءا كبيرا من مشروعيتها على حماية النظام الدستوري واحتواء الأزمات، وجدت نفسها أمام دول أعضاء ترفض سلطتها وتسعى إلى بناء إطار إقليمي موازٍ.
وفي الوقت ذاته، شهدت منظومة الأمن في الساحل تراجعا ملحوظا؛ إذ تعطلت عمليا مجموعة دول الساحل الخمس، وانسحبت القُوات الفرنسية من عدد من دول المنطقة، وتراجعت أدوار بعض البعثات الدولية، مقابل بروز شُركاء جُدد بمقاربات مختلفة.
غير أن تعدد الفاعلين لم يُؤدِّ إلى استقرار أكبر، بل ترافق مع اتساع رقعة العُنف واقترابه تدريجيا من الدول الساحلية في خليج غينيا.
وفي ظل هذا المشهد، تغيرت طبيعة القوة التي يحتاجها الإقليم؛ فلم يعُد التعويل مُنصبا على الدول القادرة على فرض العقوبات أو حشد الجيوش، بل برزت الحاجة إلى دُول تُحافظ على مؤسساتها، وتؤمن حدودها، وتحتفظ بعلاقات عمل مع أطراف مُتخاصمة، ولا تتحول أراضيها إلى مصدر تهديد لجيرانها.
وفي هذه النقطة تحديدا، اكتسبت موريتانيا قيمة استراتيجية متزايدة؛ فمنذ أكثر من عقد، حافظت البلاد على مستوى ملحوظ من الاستقرار الأمني، رغم حدودها الطويلة مع مالي ووجودها في بيئة صحراوية معقدة.
ولا يعني ذلك غياب التهديدات، وإنما يعكس قدرة الدولة على الجمع بين تعزيز قُدراتها العسكرية والأمنية، وتكثيف حضورها الإداري في المناطق الحدودية، واعتماد مقاربة لم تقتصر على البعد العسكري وحده، بل أخذت في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والفكرية للتطرف.
ومن هنا، يتحول الاستقرار إلى مورد استراتيجي؛ فكلما ازداد اضطراب الإقليم، ارتفعت قيمة الدولة القادرة على الحفاظ على مؤسساتها واستمرارية سياساتها.
وفي بيئة تتراجع فيها الثقة، تصبح قابلية التنبؤ بسلوك الدولة عنصرا من عناصر القوة، لأنها تمنح الشركاء الإقليميين والدوليين قدرا أكبر من اليقين في التعامل معها.
ولهذا، لا تعود أهمية موريتانيا إلى امتلاكها عناصر قوة صلبة تفوق جيرانها، بل إلى قدرتها على توظيف ما تملكه في لحظة أصبح فيها الاستقرار نفسه موردا نادرا؛ فالحدود المُؤمَنة، والمؤسسات المُستقرة، والدبلوماسية المُتزنة، جميعها اكتسبت وزنا أكبر لأن الإقليم بات يفتقر إليها أكثر من أي وقت مضى.
من الدولة العازلة إلى الدولة الرابطة
إذا كانت التحولات الإقليمية قد رفعت من قيمة الاستقرار الموريتاني، فإنها أبرزت أيضا وظيفة جديدة أخذت نواكشوط تؤديها داخل محيطها؛ فلم تعد تُنظر إليها بوصفها منطقة فاصلة بين أقاليم متجاورة، بل باعتبارها حلقة وصل تربط بينها. وهنا تحديدا يكمن أحد أهم أوجه التحول في مكانتها الإقليمية.
ظلّت موريتانيا، لعقود، تُقدَّم في كثير من التصورات الخارجية باعتبارها دولة عازلة بين المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل؛ وكانت أهمية هذا التصور تنبع أساسا من الدور السلبي للدولة العازلة، أي منع انتقال الأزمات والاضطرابات من إقليم إلى آخر.
غير أن الدور الذي أخذت موريتانيا تُؤديه خلال السنوات الأخيرة يتجاوز هذه الوظيفة الدفاعية؛ إذ أصبحت تمارس، بصورة متزايدة، دور الدولة الرابطة التي تُنتج مساحات للتواصل والتعاون بين فضاءات متباينة.
ومن هذا المنطلق، احتفظت نواكشوط بعلاقات متوازنة مع المغرب والجزائر، رغم استمرار التنافس بينهما وتعقد ملف الصحراء الغربية، كما واصلت تعاونها مع مالي، مع المحافظة في الوقت نفسه على شراكاتها الأمنية والسياسية مع القوى الغربية.
وفي الجنوب، تجاوزت العلاقة مع السنغال منطق حسن الجوار التقليدي إلى بناء شراكة استراتيجية تعززها إدارة مشروع الغاز المشترك ومجالات التعاون الاقتصادي المتنامية.
وعلى المستوى المؤسسي، استطاعت موريتانيا الحفاظ على قنوات تعاون مع الاتحاد الإفريقي و«الإيكواس» والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تفاعلها مع الترتيبات الأمنية في الساحل، دون أن تنخرط كليا في أجندة أي طرف أو تجعل سياستها الخارجية رهينة لمحور واحد.
ولا يعني هذا النهج الوقوف على المسافة نفسها من جميع الفاعلين أو تبني حياد مُطلق في مختلف القضايا؛ وإنما يعكس قُدرة نواكشوط على إدارة اختلافاتها دون تحويلها إلى قطيعة استراتيجية، والإبقاء على مساحات للحوار حتى في أكثر الملفات حساسية.
وقد ساعدها في ذلك أسلوب دبلوماسي يتجنب التصعيد ولا يبالغ في إعلان الطموحات؛ فموريتانيا نادرًا ما تقدم نفسها باعتبارها قائدًا للإقليم أو وسيطًا دائمًا في أزماته، لكنها حرصت على بناء صورة دولة يمكن الوثوق بها والتعامل معها باعتبارها شريكا قادرا على التواصل مع أطراف يصعب جمعها في كثير من الأحيان.
وتقترب هذه المقاربة مما تعرفه أدبيات العلاقات الدولية بالدول المحورية أو دول الارتكاز؛ وهي دول لا تفرض نفوذها بحجمها العسكري أو الاقتصادي، وإنما تكتسب وزنها من موقعها الجغرافي، ورزانة سياساتها، وقدرتها على تيسير التفاعلات بين الفاعلين المختلفين.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن موريتانيا أصبحت قوة إقليمية بالمعنى التقليدي؛ فحجمها السكاني، وإمكاناتها الاقتصادية، وقدراتها العسكرية، لا تخولها قيادة النظام الإقليمي أو فرض قواعده.
غير أن تعثر بعض القوى، واستقطاب بعضها الآخر، وتراجع الثقة بين عدد من الفاعلين، منحها مساحة تأثير تتجاوز وزنها المادي، وجعلها طرفا يزداد حضوره كلما تعقدت توازنات الإقليم.
رئاسة الاتحاد الإفريقي
إذا كانت البيئة الإقليمية قد هيأت الظروف لصعود الدور الموريتاني، فإن رئاسة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للاتحاد الإفريقي، بين فبراير 2024 وفبراير 2025، مثلت فرصة عملية لاختبار هذا الدور على نطاق أوسع.
فلم تكن الرئاسة سببا في صناعة المكانة الموريتانية، بقدر ما كانت مناسبة لإظهارها وتعزيزها.
وتمنح الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي رئيس الدولة منصة سياسية تتجاوز حدود بلاده، إذ تضعه في قلب المشاورات القارية، وتجعله مٌمثلا لإفريقيا في عدد من المحافل الدولية.
ومن هذا المنطلق، انتقلت نواكشوط، خلال ذلك العام، من متابعة قضايا جوارها المباشر إلى الانخراط في ملفات القارة الكبرى.
وشهدت الرئاسة الموريتانية حضورا لافتا في ملفات الحرب في السودان، وأزمات الساحل، وتمويل التنمية، وإصلاح المؤسسات الدولية، إلى جانب قضايا التعليم والأمن الغذائي وتعزيز الحضور الإفريقي في المنظمات الاقتصادية العالمية.
غير أن أهمية هذه التجربة لا تُقاس بعدد المبادرات التي أُطلقت أو بالنتائج النهائية التي انتهت إليها تلك الملفات؛ إذ إن معظمها يتجاوز قدرة أي رئاسة دورية على حسمه.
وتكمن قيمتها الحقيقية في أنها وسعت شبكة العلاقات الدبلوماسية لموريتانيا، وأتاحت لها التواصل المباشر مع عدد أكبر من القادة والشركاء الدوليين، ورسخت حضورها داخل دوائر صناعة القرار الإفريقي.
ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في تقييم هذه المرحلة؛ فرئاسة الاتحاد الإفريقي بطبيعتها مؤقتة، ولا تحول أي دولة تلقائيا إلى قوة قارية. غير أنها تستطيع، إذا أُحسن استثمارها، أن تضيف إلى رصيد الدولة السياسي والدبلوماسي، وهو ما يبدو أن موريتانيا نجحت في تحقيقه بدرجة كبيرة.
ولعل أهم ما كشفته هذه التجربة أن نواكشوط أصبحت قادرة على أداء أدوار تمثيلية على المستوى الإفريقي دون أن تدخل في استقطابات حادة أو تقدم نفسها بوصفها منافسا على زعامة القارة.
من المكانة إلى النفوذ
إذا كانت موريتانيا قد راكمت، خلال السنوات الأخيرة، رصيدا معتبرا من الاستقرار، والعلاقات المتوازنة، والحضور الدبلوماسي، فإن المحافظة على هذه المكانة تقتضي الانتقال من إدارة اللحظة إلى بناء استراتيجية بعيدة المدى.
فالمكانة، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائيا إلى نفوذ دائم، ما لم تُترجم إلى سياسات ومؤسسات ومصالح اقتصادية مستدامة.
ومن هنا، لا يكفي أن تحظى نواكشوط بثقة شركائها، بل ينبغي أن تستثمر هذه الثقة في إعادة تعريف موقعها داخل غرب إفريقيا، بوصفها دولة وصل لا دولة عبور، وشريكا في صناعة الاستقرار.
ويقتضي ذلك، أولا، تجاوز التعامل مع الملفات الخارجية بوصفها قضايا منفصلة؛ فالأمن في مالي، والغاز مع السنغال، والتجارة مع «الإيكواس»، والهجرة في علاقتها بأوروبا، ليست ملفات مستقلة، وإنما عناصر مترابطة في رؤية واحدة ينبغي أن تحدد مكانة موريتانيا خلال العقدين المقبلين.
وانطلاقًا من هذا التصور، يمكن بلورة أربعة مسارات رئيسة.
يتمثل أولها في تحويل موريتانيا إلى الممر اللوجستي الطبيعي لدول الساحل، من خلال تطوير الموانئ، وشبكات الطرق، والخدمات الجمركية، والبنية التخزينية، بما يربط الاقتصادات الحبيسة بالمحيط الأطلسي.
أما المسار الثاني، فيكمن في الانتقال من تصدير الغاز إلى بناء فضاء طاقوي مشترك مع السنغال والدول المجاورة، يقوم على إنتاج الكهرباء، وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة، وتعزيز التأهيل الفني، بما يحول الثروة الطبيعية إلى قاعدة للتكامل الإقليمي.
ويتعلق المسار الثالث بتعزيز الدبلوماسية الوقائية، عبر الاستثمار في مراكز البحث، وآليات الوساطة، وتأهيل الكفاءات المتخصصة في إدارة النزاعات، حتى تصبح موريتانيا أكثر قدرة على الإسهام في معالجة أزمات الإقليم.
أما المسار الرابع، فيرتبط بتقوية الروابط البشرية، من خلال توسيع المنح الجامعية، وتشجيع التبادل الثقافي، وتسهيل حركة الطلاب والتجار، لأن التكامل الحقيقي يبدأ من المجتمعات قبل المؤسسات.
وتنسجم هذه الرؤية مع إعادة الاعتبار لمدن الجنوب الموريتاني، التي يمكن أن تتحول من أطراف حدودية إلى مراكز للتجارة والخدمات والتعاون الإقليمي؛ فمدن مثل روصو، وكيهيدي، وسيلبابي، والنعمة، وباسكنو، تمتلك من المقومات ما يؤهلها للقيام بهذا الدور إذا أُحسن توظيفها ضمن استراتيجية تنموية متكاملة.
وفي هذا الإطار، تمثل الشراكة مع السنغال نموذجا يمكن البناء عليه، سواء من خلال استثمار نهر السنغال، أو تطوير مشروع الغاز المشترك، أو توسيع التعاون في مجالات النقل، والزراعة، والطاقة، والصيد البحري.
أما في العلاقة مع مالي، فإن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة الأمنية، بل يتطلب تنمية المناطق الحدودية، وخلق فرص اقتصادية للسكان المحليين، وتعزيز الخدمات الأساسية، لأن الأمن المستدام يبدأ من التنمية بقدر ما يبدأ من حماية الحدود.
ومن المنظور نفسه، تستطيع موريتانيا أن توظف علاقاتها مع «الإيكواس» ودول الساحل في الدفع نحو تعاون عملي في مجالات تتجاوز الخلافات السياسية، مثل إدارة المياه، والرعي العابر للحدود، ومكافحة الأوبئة، والطاقة، والنقل، والجريمة المنظمة.










