قبل البدء :
تخيّلْ مدرسة قررت توزيع كتاب واحد على كل تلميذ، بدا القرار عادلًا لأن الجميع حصل على العدد نفسه من الكتب، لكن بعض التلاميذ كانوا قد فقدوا كتبهم في حادث، بينما كان آخرون يمتلكون نسخًا إضافية في منازلهم، عندها قررت الإدارة منح التلاميذ الذين فقدوا كتبهم نسخًا إضافية حتى يصبح الجميع قادرًا على الدراسة. هنا لم يكن الهدف تفضيل فئة على أخرى، بل إزالة عائق حال دون استفادة الجميع من الفرصة نفسها.
لا يكاد يوجد مفهوم قانوني أو اجتماعي أثار من الجدل في العقود الأخيرة مثل مفهوم التمييز الإيجابي(Discrimination Positive).
ولعل المفارقة الأولى التي تواجه القارئ تكمن في المفهوم نفسه؛ فكيف يجتمع التمييز، بما يحمله من دلالة على التفريق والتمايز، مع الإيجابية التي توحي بالإنصاف؟ وهل يمكن أن يكون التمييز طريقًا إلى العدالة؟
هذه الأسئلة ليست تساؤلات نظرية تجريدية ، بل واقعا حاضرا في نقاشات السياسة والقانون والتعليم وسوق العمل في كثير من دول العالم، لأن الأمر يتعلق بكيفية توزيع الفرص بين الناس، وبالحد الفاصل بين المساواة والإنصاف.
يقوم التمييز الإيجابي على فكرة تبدو للوهلة الأولى منطقية؛ فليس جميع الناس قد بدأوا السباق من النقطة نفسها، هناك فئات حرمت لعقود من التعليم، أو أُقصيت من الوظائف، أو عاشت في مناطق تفتقر إلى الخدمات، أو واجهت ظروفًا جعلت منافستها لغيرها غير متكافئة. لذلك، ترى الدول التي تتبنى هذه السياسة أن تحقيق العدالة قد يقتضي منح هذه الفئات دعمًا إضافيًا أو فرصًا خاصة حتى تقترب من مستوى المنافسة العادلة.
ومن هنا جاءت تطبيقاته المختلفة:
• ففي الولايات المتحدة ظهرت برامج لدعم تمثيل الأقليات والنساء في الجامعات وبعض قطاعات العمل، وإن شهدت هذه السياسات مراجعات قضائية واسعة في السنوات الأخيرة.
• وفي الهند أصبح نظام الحصص جزءًا من بنية الدولة الحديثة، إذ خُصصت نسب في الوظائف الحكومية والمؤسسات التعليمية لفئات تعرضت للتهميش تاريخيًا.
• أما جنوب إفريقيا، فقد لجأت إلى هذه السياسة بعد نهاية نظام الفصل العنصري في محاولة لإعادة التوازن داخل المجتمع. كما عرفت دول مثل البرازيل وماليزيا وكندا صورًا مختلفة من التمييز الإيجابي، تختلف في تفاصيلها لكنها تلتقي في الهدف العام: تقليص الفجوات الاجتماعية.
ولذلك لا يقتصر التمييز الإيجابي على الوظائف فقط، بل قد يظهر في المنح الدراسية، أو في تخصيص مقاعد جامعية، أو في تمثيل النساء أو الفئات الأقل حضورًا داخل المجالس المنتخبة، أو في برامج التنمية الموجهة للمناطق الأكثر حرمانًا.
غير أن الصورة ليست بهذه البساطة.
فالمعارضون لهذا النهج يطرحون سؤالًا لا يقل وجاهة: هل يمكن تحقيق العدالة بإعطاء شخص أفضلية على آخر بسبب انتمائه إلى فئة معينة؟ ويقولون إن الوظيفة أو المقعد الجامعي ينبغي أن يكون من نصيب الأكفأ، لا من نصيب من ينتمي إلى مجموعة حددها القانون، ويخشون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قيمة الاستحقاق، وأن يشعر أفراد لم تشملهم هذه السياسات بأنهم دفعوا ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن أخطر ما في التمييز الإيجابي هو أنه قد يُبقي المجتمع أسيرًا للهويات الفرعية؛ فبدل أن ينظر الناس إلى أنفسهم باعتبارهم مواطنين متساوين، يصبح الانتماء العرقي أو القبلي أو الجهوي أو الاجتماعي مفتاحًا للحصول على الفرص، وحين يحدث ذلك، تتحول السياسة التي وُلدت لمعالجة الانقسام إلى سبب جديد لاستمراره!
لكن المؤيدين يردون بأن الحديث عن تكافؤ الفرص يصبح مجرد شعار إذا تجاهل الواقع، فكيف نطالب شخصين بالمنافسة على قدم المساواة، بينما أحدهما نشأ في بيئة وفرت له أفضل تعليم وخدمات، والآخر قضى سنواته الأولى في ظروف لا تكاد تسمح له باللحاق بالركب؟ بالنسبة لهم، لا يمكن للمساواة القانونية وحدها أن تمحو آثار عقود من التفاوت، ولذلك يرون أن التمييز الإيجابي ليس امتيازًا دائمًا، بل وسيلة مؤقتة لإعادة التوازن.
وربما تكمن الحقيقة في نقطة التقاء وسط بين الرأيين. فالتمييز الإيجابي ليس وصفة سحرية، كما أنه ليس شرًا مطلقًا. نجاحه أو فشله يتوقف على طريقة تصميمه، وعلى وضوح أهدافه، وعلى وجود سقف زمني ومعايير دقيقة تمنع تحوله إلى باب جديد للامتيازات.
تتأرج العدالة بين مبدأين كبيرين: المساواة والإنصاف، الأولى تقول إن الجميع يجب أن يخضعوا للقواعد نفسها، والثانية تذكرنا بأن الناس لا يبدأون حياتهم من الظروف نفسها، والتحدي الحقيقي الذي تواجهه الدول ليس اختيار أحد المبدأين وإلغاء الآخر، بل إيجاد نقطة التوازن بينهما.
ولهذا سيظل التمييز الإيجابي موضوعًا مفتوحًا للنقاش، لأنه في جوهره ليس مجرد سياسة عامة، بل سؤال أخلاقي وقانوني وسياسي: كيف نصنع مجتمعًا أكثر عدلًا، دون أن نخلق، ونحن نسعى إلى إزالة مظلمة قديمة، مظلمة جديدة؟










