الاتصال المؤسسي: من الأمر النازل إلى صدا الفعل المؤسسي

اعل سالم ماجي

 

لا يمكن تصور أي مؤسسة منتجة دون شبكة اتصال داخلية تشتغل بانتظام، تماما كما لا يمكن لجسم أن يؤدي وظائفه دون جهاز عصبي ينقل الإشارات ذهابا وإيابا. 

وفي هذا السياق يبرز الاتصال المؤسسي كأداة استراتيجية لا تقل أهمية عن الموارد البشرية أو التقنية، لأنه هو الذي يفعل العمل وينشطه ويمنحه معنى.

 

إن فاعلية العمل داخل المؤسسة مرتبطة ارتباطا مباشرا بجودة قنوات الاتصال المعتمدة، فحين تكون هذه القنوات واضحة وسلسة، يتحول العمل من مجرد تكليف روتيني إلى عملية تفاعلية ديناميكية وعلى العكس، فإن أي انسداد أو تشويش في القنوات الاتصالية ينتج عنه تباطؤ في الأداء وتراكم في الملفات.

 

و يتقاطع في الفضاء المؤسسي شكلان أساسيان من الاتصال: الاتصال النازل والاتصال الصاعد.

 الاتصال النازل: هو ذلك الذي ينحدر من قمة الهرم الإداري نحو القاعدة، ويغلب عليه طابع الأمر والتوجيه وهو ضروري لضبط المسار وتوحيد الرؤية، لكن اختزاله في الأمر فقط يجعله ناقصا بل وخطيرا أحيانا، فالأمر الذي لا يصحبه إنصات ولا يجد من يرد عليه يتحول إلى قرار معزول عن الواقع الميداني.

 

هنا تظهر قيمة الاتصال الصاعد باعتباره "صدى" الاتصال النازل (وليس بالضرورة أن يكون صدى) فعندما يعود صوت الموظف إلى الإدارة في شكل ملاحظة أو استفسار أو اقتراح، يكتمل المسار الاتصالي ويتحول الهرم من بنية جامدة إلى نظام حي يتغذى من أسفله كما من أعلاه.

 لكن إذا تم تجاهل هذا الصوت الصاعد فإن الرسالة لا تختفي، بل تترسب داخل المؤسسة وتتحول إلى أزمة داخلية صامتة. 

وقد يبدأ الأمر بهفوة بسيطة أو تجاهل لملاحظة عابرة لكنه ينتهي بتعطيل ملفات كبيرة لأن الإهمال الصغير يولد مقاومة كبيرة.

 

إن العلاقة بين الفعل ورد الفعل داخل المؤسسة لا يمكن أن تترك للصدفة أو للمزاج الإداري، يجب أن تؤطرها قناة اتصالية واضحة المعالم، تحدد من يتكلم، ومتى، وكيف تصل المعلومة، وكيف يتم الرد عليها وغياب هذا الإطار يجعل المؤسسة عرضة لاختلالات داخلية يصعب تداركها لاحقا.

 

والأخطر أن هذه الاختلالات لا تبقى حبيسة الجدران الداخلية فالمستفيد الخارجي(الجمهور الخارجي) من خدمات المؤسسة هو المرآة الأولى التي تعكس أعطاب الاتصال الداخلي.

فتأخر الخدمة أو ضبابية الرد أو تضارب المعلومات كلها نتائج مباشرة لخلل بدأ في ممر داخلي صغير.

 

انطلاقا من ذلك، تصبح الحاجة ملحة لاستحداث وظيفة متخصصة داخل المؤسسات: مستشار الاتصال المؤسسي، ليس دوره تزيين الخطاب أو إدارة الصفحات، بل مهمته الجوهرية هي تشخيص الاختلالات الاتصالية وضبطها، فهو الذي يراقب مسار المعلومة ويقيس زمن الاستجابة ويقترح آليات لجعل الاتصال النازل أكثر إنصاتا، والاتصال الصاعد أكثر تأثيرا.

 

في الختام يمكن القول إن المؤسسة التي لا تستمع هي مؤسسة تصم آذانها عن مستقبلها.

وأن الاتصال الفعال ليس ترفا إداريا بل هو الشرط الذي يحول الأمر إلى فعل ورد الفعل إلى تطوير والخلل البسيط إلى فرصة للتصحيح قبل أن يتحول إلى عائق.

 

 

 

أربعاء, 01/07/2026 - 19:25