لا تدوم الصراعات مهما امتدّت عبر التاريخ وتعاقبت عليها الأجيال. ولأن الإنسان ينطوي على الخير والشر، فإنه يظل متجاذبًا بين هاتين الصفتين، فيتبنّى الطبع الذي يناسبه، وعلى أساسه يبني مواقفه ونمط حياته. غير أن تراكم هذه الطباع قد يتجسّد في زعماء يحملون أهواءهم الشخصية، ويحسمون مصير أمم بأكملها دون استئذان. ويزداد التعنّت حين يُمارَس منطق القوة والتخويف والترهيب، وفرض الهيمنة على شعوب لم تستطع حتى الآن أن تُثبت نفسها كقوة موحدة قادرة على التحدي. وهذا ما تعتمده القوى الغربية وإسرائيل والولايات المتحدة تجاه هذه المجتمعات التي تسعى إلى النهوض بنفسها وفرض سيادتها وحقها في الوجود.
حين تتشابك المصالح، يمكن للفرقاء أن يصلوا إلى حدة الخصام. هذا ما نشهده اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة حول الحرب القائمة في الشرق الأوسط، وبالتحديد الحرب على لبنان. أثبت كل فريق أن له أولوياته حسب ما خطط له في هذه المنطقة. فبنيامين نتنياهو مشروعه توسعي قديم متجدد، يعود تاريخه إلى ١٩٤٨، متعنّت بالاستمرار في الاعتداء على الأرض والبشر، رغم الضغوطات وشبه الرفض لهذه الممارسات من الإدارة الأمريكية، التي تُسوَّق لنا من خلال التنديدات والتصريحات. لا ندري إذا كان هذا تقاسم أدوار لإقناع المجتمع الدولي بالمهمة التي تبنّاها دونالد ترامب في محاولة تهدئة الوضع وإنهاء الحرب، أم هي مبادرات حقيقية لكبح الكيان الصهيوني وإنهاء هذا الصراع.
كلتا الشخصيتين متكاملتان، فيصعب تصديق الخلاف والشتائم المتبادلة عبر تصريحات علنية، وصل الأمر بالرئيس الأمريكي إلى توبيخ نتنياهو عدة مرات، مهدداً إياه بالتخلي عنه وتركه وحيداً في مواجهة من يؤمن بالكفاح والسيادة إيماناً قطعياً. ربما أراد الكون بحكمته الخفية أن يجعل من هذا الرجل أداةَ تغيير، كما جرت المعجزات دائماً من حيث لا يُحتسب. بعث لنا ترامب كمنقذ لهذه الأمة التي لا تؤمن حتى بنفسها، ويأتي الخلاص على يده. فهل تأتي نهاية إسرائيل على يد من كان أخاً حميماً؟ من يؤمن بهذه السردية كمن يؤمن بدخول الشيطان الجنة.
لم يكن لذلك أن يحدث لولا صمود إيران أمام هؤلاء الجبابرة، وإرغامهم على استبدال ساحة القتال بطاولة الحوار في حرب كادت أن تطول. لعب مضيق هرمز الدور الأساسي في قلب الموازين وتغيير المعادلة. وأثناء المفاوضات في بلد الشوكولاتة، كادت المحادثات أن تذوب من شدة حرارة النقاش، وعلى إثر استمرار العدو الصهيوني في بطشه على جنوب لبنان، هددت إيران بالانسحاب وإغلاق المضيق من جديد، مما أجبر الخصم على الانحناء والقبول بكل المقترحات. حين تصبح المصالح الاقتصادية والفكر المقاولاتي مهددَين، خاصة عند عاشق المال والأعمال، تتراجع لغة التصعيد لتُستبدل بالحوار، مما أسكت صوت البنادق في جنوب لبنان وأجبر الكيان على الوقف عن مزيد من سفك الدماء.
أثبتت إيران أن علاقتها بحلفائها وعدم التخلي عنهم قناعة ثابتة، ما دامت تصبّ في مصلحة السيادة الوطنية للدولة اللبنانية. إذا كانت المطالبة بنقاش ملف لبنان بعيداً عن المبادرة الفارسية، فهذا يُعدّ حسب المحللين بمثابة فخ للفريق المتفاوض اللبناني، كونه لا يملك أي أوراق قوة يفاوض بها. ورغم الخيبة المنتظرة، ثمة فريق مصمّم على الذهاب إلى المفاوضات مع الكيان عارياً، ليجعل لبنان ساحة مكشوفة أمام العدو.
أثبتت الحرب على إيران للعالم أن التشبث بالسيادة يمكن أن يُفضي إلى إنجازات تاريخية، كانت بالنسبة إلى كثير من الدول المستضعفة أقرب إلى حلم طال انتظاره. حرب شُنّت على أقدم الحضارات، ولا يمكن لحضارة وُلد من رحمها أعظم العلماء كالخوارزمي وابن سينا والبيروني وعمر الخيام أن تنكسر. من يعرف العكوف على حياكة سجادة لوقت طويل، يعرف معنى الصبر لينجز أكثر من ذلك.
استطاعت إيران أن تُطيح بكبرياء أكبر قوى عسكرية في العالم، بعد مدٍّ وجزر ومساومات، من النووي إلى بديله هرمز إلى الصواريخ والحرب على لبنان. كل هذه التحولات فرصة للمنطقة أن ترسم معالم سياساتها، وتحيك روابط علاقاتها ببعضها، وتُزهر وردة الجوري من جديد لتعبق رائحتها على شعوب المنطقة التي طالت غيبوبتها.
كاتبة جزائرية
نقلا عن رأي اليوم










