شهد الفضاء العمومي الوطني خلال الأيام الماضية نقاشاً واسعاً ومهماً حول الخياراتالتي اعتمدتها الدولة لمواجهة تداعيات أزمة المحروقات العالمية وانعكاساتها علىالاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، نشر معالي الوزيرالأول السيد المختار ولد اجاي رسالة مطولة تناول فيها مختلف التساؤلات والإشكالاتالتي أثيرت حول سياسات الدعم الاجتماعي وأسعار المحروقات والخيارات
الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة.
وقد تميزت هذه الرسالة، في جوهرها، بالحرص على تقديم المعطيات والأرقام والحقائقللرأي العام، حيث أوضح معالي الوزير الأول الخلفيات الاقتصادية والمالية للقراراتالحكومية، وشرح فلسفة الدولة في التوفيق بين المحافظة على التوازنات المالية من جهة،وحماية الفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى. كما استعرض الجهود المبذولة فيمجالات تعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع القدرات التخزينية للمحروقات، ومحاربة الفساد،وترشيد الإنفاق العمومي، وتعبئة الموارد الذاتية للدولة لتمويل مشاريع تنموية كبرى.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه الرسالة ليس فقط مضمونها الاقتصادي والمالي، بل أيضاًالأسلوب السياسي والحضاري الذي صيغت به، وهو ما يستحق الوقوف عنده والتقديروالإشادة.
لقد قدم معالي الوزير الأول نموذجاً راقياً في التواصل السياسي المسؤول، حين اختارأن يخاطب المواطنين بلغة هادئة ومتزنة، بعيدة عن التشنج والانفعال، وقائمة علىالاحترام الكامل للرأي الآخر. فمنذ الأسطر الأولى للرسالة، حرص على تثمين النقاشالعمومي والإشادة بالمشاركين فيه من سياسيين ومثقفين وخبراء ومواطنين، معتبراً أنجودة القرار العمومي تتحسن كلما اتسعت دائرة النقاش حوله.
إن هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لمعنى الدولة الحديثة، التي لا ترى في النقاشالعمومي تهديداً لسلطتها، بل فرصة لتجويد سياساتها وتعزيز الثقة بينها وبينالمواطنين. كما يعكس إيماناً راسخاً بقيم الانفتاح والديمقراطية والحوار المسؤول.
ومن أبرز ما ميز هذه الرسالة أيضاً ما أظهره معالي الوزير الأول من تواضع سياسيرفيع وولاء صادق للقيادة الوطنية. فعلى الرغم من تمكنه الواضح من الملفات الاقتصاديةوالمالية التي تناولها، وعلى الرغم من الدور المحوري الذي تضطلع به الحكومة في تنفيذالبرامج والإصلاحات، فقد حرص باستمرار على ربط مختلف الإنجازات والتوجهاتالاستراتيجية بالرؤية التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخالغزواني، مؤكداً أن ما تحقق من إصلاحات وبرامج ومشاريع يدخل في إطار البرنامجالذي اختاره الشعب الموريتاني ومنح ثقته لرئيس الجمهورية من أجل تنفيذه.
لقد تجلت في الرسالة روح الفريق الواحد، والوفاء للمؤسسات، والابتعاد عن الشخصنةأو البحث عن الأضواء، وهي قيم نبيلة يحتاجها العمل العمومي في كل زمان.
كما كشفت الرسالة عن مستوى عالٍ من الإحاطة والمعرفة الدقيقة بالملفات الاقتصاديةوالمالية. فقد تمكن الوزير الأول من تبسيط قضايا معقدة تتعلق بتركيبة أسعارالمحروقات، وآليات الدعم، والضرائب، والخيارات التنموية، بلغة واضحة ومفهومة للمواطنالعادي، دون الإخلال بالدقة العلمية أو الاقتصادية. وهذه القدرة على الجمع بينالتخصص والخطاب المبسط تمثل إحدى أهم صفات رجال الدولة الناجحين.
ولعل الرسالة قدمت للرأي العام صورة واضحة عن حجم التحديات التي تواجهها الدولةفي ظل الأزمات الدولية المتلاحقة، وفي الوقت نفسه أظهرت حجم الجهود التي بذلتللحفاظ على استمرارية المشاريع التنموية والبرامج الاجتماعية، دون اللجوء إلى حلولسهلة قد تكون مكلفة على المدى البعيد.
إن المتابع المنصف لا يمكنه إلا أن يلاحظ أن النقاش الذي أثارته هذه الرسالة أسهم فيرفع مستوى الوعي العام بالقضايا الاقتصادية، ونقل الحوار من دائرة الانطباعاتالعامة إلى دائرة الأرقام والمعطيات والوقائع. وهذه مكسب مهم للديمقراطية الموريتانيةولثقافة الحوار الوطني المسؤول.
ومن هنا، فإن من واجبنا كمواطنين أن نشجع هذا النوع من التواصل السياسيالراقي، وأن نثمن كل مبادرة تفتح أبواب النقاش الموضوعي حول الشأن العام. فالدول لاتتقدم إلا بالحوار، ولا تبني سياساتها الناجحة إلا من خلال الاستماع إلى مختلفالآراء والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية.
كما يحق للموريتانيين أن يشعروا بالفخر والاعتزاز حين يرون بين أبنائهم شخصياتوطنية تجمع بين الكفاءة المهنية العالية، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، والانفتاح علىالرأي العام، والاستعداد للحوار مع المواطنين بكل احترام وهدوء. وهي صفات جسدهامعالي الوزير الأول المختار ولد اجاي في هذه المناسبة بصورة لافتة.
وإذا كانت هذه الرسالة قد عكست كفاءة الوزير الأول وقدراته التواصلية والسياسية،فإنها في الوقت ذاته تشكل مناسبة لتوجيه التهنئة إلى فخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني على حسن اختياره لرئيس حكومته. فالقيادات الناجحة تُعرفأيضاً بحسن اختيار الرجال القادرين على تحويل الرؤى والبرامج إلى إنجازاتوسياسات ملموسة على أرض الواقع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن النهج الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية يقوم علىترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير البنى التحتية، ومحاربةالفساد، وتوسيع دائرة الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف المواطنين في مختلف أنحاءالوطن. كما أثبتت الأحداث أن الحكمة والاتزان اللذين ميزا إدارة الدولة خلال الأزماتالإقليمية والدولية مكنا موريتانيا من الحفاظ على استقرارها ومواصلة مسارها التنمويبثقة وثبات.
وفي الختام، فإن رسالة معالي الوزير الأول لم تكن مجرد توضيح لسياسة حكومية أو ردعلى تساؤلات مطروحة، بل كانت درساً في التواصل السياسي المسؤول، ونموذجاً فيالحوار الديمقراطي الراقي، وتجسيداً لقيم الاحترام والانفتاح والاحتكام إلى الحجةوالبرهان.
إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى المزيد من هذا النوع من النقاشات البناءة التي تعزز الثقةبين الدولة والمجتمع، وترسخ ثقافة المشاركة والوعي والمسؤولية. كما أنها بحاجة إلىمواصلة دعم مسيرة الإصلاح والتنمية التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني، والتي تنفذها الحكومة بكفاءة وجدية، خدمة للوطن والمواطن،وتعزيزاً لمستقبل أكثر ازدهاراً واستقرارا.










