القصر الإمبراطوري في الصين.. بين ألق الماضي وإشراقة الحاضر

 حمود الداه يحظيه

ما إن تدنو من "المدينة المحرمة" بالعاصمة الصينية بكين حتى تطالعك أسوار القصر الإمبراطوري صامدة في وجه عاتيات الزمن تأبى الاندثار لتروي للقادمين فصول خمس قرون من الحكم الإمبراطوري تعاقب خلالها على كرسي القصر 42 إمبراطورا من أسرتي أسرتي مينغ وتشينغ ما تزال آثر آخر سيداتهم وأغراض غرفتها الشخصية قائمة حتى اليوم.

وأنت تخطو خطواتك الأولى نحو البوابة الرئيسية وأمامك التاريخ كوم رماد تفوح رائحته من كل زواية.. في تلك اللحظة ستعرف أن تطور الصين الحديث لم يأتي من فراغ بل نتاج تراكمات تاريخية من نضج التجارب الإنسانية استطاع أصحابها أن يجسدوها في فني معماري نادر لا تملك وأنت تشاهده إلا تقف إجلالا وتعظيما لـ 500 عام من الحياة والأحلام والطموح والبناء، أوصلوها إلى ما عليه بكين اليوم من تطور في شتى المجالا في إيقاع سريع متناسق يعمل كمنظومة واحدة لكل فرد دور لا غنى عنه فيها.

في القصر كل شيء يرمز لشيء، من الجدران إلى الساحات وصولا إلى الداخل حتى تقاسيم وجوه السياح - الذين جاؤو من مختلف أصقاع وبقاع الدنيا ليشهدوا على قرون من العطاء والتطور والملك شيدتها سواعد الإنسان الصيني في دقة وتناسق كلوحة موناليزا فريدة بصبغة آسيوية خالصة وريشة صينية أنيقة - تظهر لك مدى دهشتهم عند اجتياز أسوار مدينة حرمت على الزائرين بغير إذن مسبق، أيام كانت لأسرتي مينغ وتشينغ زعامة الإمبراطورية وسلطة الاختيار.

تعتبر مجموعة القصور القديمة المحفوظة في مدينة بكين أكبر مجموعة قصور في الصين، حيث تحتوي على ما يقارب مليون قطعة من التحف الفنية النادرة، مشيدة على أكثر من 150,000 م²، تضم أكثر من 800 مبنى و8700 غرفة، تقع على إجمالي مساحة تقارب 720,000 م²، يبلغ طولها من الجنوب إلى الشمال 960 م مع عرض بطول 750 م من الشرق إلى الغرب، يحيط بها سور يبلغ ارتفاعه 10 أمتار يصاحبه من الخارج نهر اصطناعي عرضه 52 مترا يسمى نهر "هو تشنغ" بمثابة خندق مائي يصعب اجتيازه للدفاع عن المدينة.

عوامل مجتمعة أهلت القصر الإمبراطوري الصيني لأن ينال الأعتراف الرسمي من منظمة اليونيسكو كتراث ثقافي عالمي، ومتحف متكامل يجمع بين الفنون المعمارية النادرة، والآثار الإمبراطورية الفريدة، والفنون القديمة المتنوعة في أرض تعاقبت عليها أجيال وأجيال سنين عدادا.

هي إذا قصة صيرورة شكلت لبنة أساسية لبناء حاضر اختزلت فيه الصين الزمن وغردت بعيدا في آفاق التطور علميا، تكنولوجيا، صحيا، أمنيا، واجتماعيا، ما جعل بقية بلدان العالم تتنافس على استلهام العبر من تنين نصب نفسه كقوة اقتصادية عالمية ونموذج للتطور السريع الشامل، فهل تستثمر موريتانيا عمق علاقتها التاريخية مع بكين لتنحو نحو النمو المتسارع والرفاه المشترك وهي التي تملك كل المقومات لذلك..؟

سبت, 06/06/2026 - 23:40