الهند على حافة التناقضات الكبرى: بين واشنطن وبكين وبين حلم القوة العالمية وهاجس الصراع مع باكستان

الدكتور وائّل عوّاد

تعيش الهند اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية والاستراتيجية تعقيدًا منذ الاستقلال. الدولة التي كانت من بين الدول القيادية لحركة عدم الانحياز ورفعت شعار “الاستقلال الاستراتيجي” في مواجهة الاستقطاب الدولي، تجد نفسها اليوم وسط شبكة متشابكة من التحالفات والتناقضات والصراعات الإقليمية والدولية. وبينما تسعى نيودلهي إلى تقديم نفسها كقوة عالمية صاعدة وقطب مؤثر في النظام الدولي الجديد، يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك الهند فعلًا رؤية استراتيجية مستقلة، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى طرف منخرط في محاور متصارعة تقودها الحسابات القومية والهوياتية الجديدة؟

منذ وصول ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي إلى السلطة، شهدت الهند تحولًا عميقًا في هويتها السياسية والخارجية. فالهند التي كانت تُعرّف نفسها لعقود باعتبارها دولة متعددة الهويات والأديان والثقافات، باتت تميل بصورة متزايدة نحو خطاب قومي هندوسي أكثر حدة، يربط بين الصعود الوطني وإعادة تشكيل الهوية السياسية للدولة. ولم يبقَ هذا التحول محصورًا في الداخل، بل انعكس بوضوح على السياسة الخارجية وعلى طريقة تعامل الهند مع محيطها الإقليمي، خصوصًا مع باكستان.

فالعداء لباكستان لم يعد مجرد امتداد للنزاع التقليدي حول كشمير، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي والقومي الداخلي. ومع كل أزمة أمنية أو هجوم مسلح، تتصاعد الدعوات داخل الهند لاستخدام أدوات الردع كافة، من القوة العسكرية إلى الضغط الاقتصادي وحتى “سلاح المياه”. وقد ساهم هذا المناخ في تحويل العلاقة بين البلدين من نزاع سياسي قابل للاحتواء إلى صراع هويات واستراتيجي مفتوح بين قوتين نوويتين.

 

 

وفي الوقت نفسه، تحاول الهند لعب لعبة التوازنات الكبرى على المسرح الدولي. فهي عضو فاعل في مجموعة “غواد” إلى جانب الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، وهي مجموعة تُنظر إليها عمليًا باعتبارها جزءًا من استراتيجية تطويق الصين في المحيطين الهندي والهادئ . لكنها في المقابل عضو رئيسي في “بريكس” إلى جانب الصين وروسيا، وتتبنى خطابًا داعمًا لعالم متعدد الأقطاب وتقليص الهيمنة الغربية.

وهنا يبرز التناقض الكبير:

كيف تستطيع الهند الجمع بين شراكتها الاستراتيجية المتنامية مع واشنطن وطوكيو، وبين استمرار تعاونها مع موسكو وبكين داخل “بريكس”؟

وهل يمكن لنيودلهي أن تستمر طويلًا في اللعب على الحبلين الأمريكي والصيني في ظل تصاعد الاستقطاب العالمي؟

الولايات المتحدة لا تنظر إلى الهند فقط كشريك اقتصادي، بل كركيزة أساسية في استراتيجية احتواء الصين. ولهذا تضغط واشنطن بشكل متزايد على نيودلهي لتقليص اعتمادها العسكري والطاقوي على روسيا، والانخراط بصورة أعمق في المنظومة الغربية. وفي المقابل، تدرك الهند أن الذهاب بعيدًا في التحالف مع واشنطن قد يفقدها هامش المناورة الاستراتيجية الذي شكل أساس سياستها الخارجية منذ الاستقلال.

كما تواجه الهند تناقضات معقدة في الشرق الأوسط. فمن جهة، عززت علاقاتها بصورة غير مسبوقة مع إسرائيل والإمارات، وانخرطت في مشاريع استراتيجية مثل “I2U2” و”IMEC”، التي تُقدَّم باعتبارها ممرات اقتصادية بديلة للمشاريع الصينية. لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات مهمة مع إيران، سواء بسبب المصالح الطاقوية أو أهمية ميناء تشابهار في استراتيجيتها نحو آسيا الوسطى وأفغانستان.

لكن هذه المشاريع تثير أيضًا تساؤلات متزايدة داخل المنطقة العربية، لأنها قد تعيد رسم خرائط التجارة والنفوذ بما يخدم تحالفات محددة على حساب توازنات إقليمية أخرى، خصوصًا في ظل استبعاد قوى إقليمية رئيسية مثل إيران، وتراجع الدور التقليدي لبعض الدول العربية المركزية.

كما تخشى بعض الأوساط العربية من أن يؤدي اندفاع الهند نحو التحالفات الاقتصادية المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة إلى إضعاف صورة نيودلهي التقليدية كقوة “غير منحازة” وصديقة للعالم العربي. فالهند التي بنت لعقود طويلة علاقاتها مع العرب على أساس دعم قضايا الجنوب العالمي وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة، تجد نفسها اليوم أقرب تدريجيًا إلى المحور الأمريكي–الإسرائيلي في قضايا استراتيجية حساسة.

ومع اشتعال الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، واحتلال جنوب لبنان وتدميره، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر ومضيق هرمز، أصبحت الهند تواجه معضلة حقيقية: كيف تحافظ على شراكاتها الجديدة مع إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، دون أن تخسر في الوقت نفسه إيران، أو تُحدث شرخًا أعمق في علاقاتها التاريخية مع العالم العربي الأوسع؟

وهنا تظهر حدود “الاستقلالية الاستراتيجية” الهندية. فكلما تصاعدت الأزمات الإقليمية وازدادت حدة الاستقطاب الدولي، يصبح من الصعب على نيودلهي الاستمرار في سياسة الوقوف في جميع المعسكرات في الوقت نفسه. فالهند تريد الاستفادة من جميع المحاور، لكنها تدرك أن لحظة الاختبار الكبرى قد تفرض عليها مستقبلًا خيارات أكثر حدة ووضوحًا في منطقة تُعاد صياغة خرائطها السياسية والاقتصادية بالقوة والحروب والممرات الاستراتيجية

المعضلة الأعمق أن الهند تحاول الظهور كقوة عالمية، بينما لا تزال أسيرة أزماتها الإقليمية. فمن الصعب على دولة تسعى لقيادة “الجنوب العالمي” أن تبقى غارقة في نزاعات حدودية مزمنة مع الصين وباكستان، أو أن تبدو عاجزة عن بناء منظومة استقرار حقيقية في جنوب آسيا.

كما أن صعود اليمين الهندوسي يثير تساؤلات إضافية حول مستقبل الدور الهندي عالميًا. فهل تستطيع دولة تتبنى خطابًا قوميًّا متشددًا داخليًا أن تقود مشروعًا عالميًا جامعًا ومتعدد الثقافات؟ وهل يمكن للهند أن تستعيد روح عدم الانحياز بينما تنخرط تدريجيًا في تحالفات أمنية وعسكرية موجهة ضد الصين؟

الحقيقة أن الهند تقف اليوم عند مفترق تاريخي حساس. فهي تمتلك مقومات هائلة للصعود: اقتصاد ضخم، قوة بشرية هائلة، تطور تكنولوجي متسارع، وموقع جيوسياسي استثنائي. لكنها في المقابل تواجه خطر التحول من “قوة مستقلة صاعدة” إلى “قوة مُستقطبة” داخل صراع أمريكي–صيني أوسع.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل تستطيع الهند أن تصبح قوة عظمى؟بل:أي نوع من القوى تريد أن تكون؟

هل تريد أن تكون امتدادًا للاستراتيجية الغربية في آسيا؟أم زعيمة لعالم متعدد الأقطاب؟وهل تستطيع بناء نموذج “عدم انحياز جديد” يتجاوز منطق الحرب الباردة؟أم أن صعود القومية الهندوسية والعداء المتزايد لباكستان والصين سيدفعها تدريجيًا نحو سياسات أكثر صدامية وأقل استقلالية؟

في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، لن يكون مستقبل الهند مرهونًا فقط بنموها الاقتصادي أو قوتها العسكرية، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال الهوية الاستراتيجية:

هل ستكون الهند قوة توازن عالمي أم طرفًا جديدًا في نظام دولي يزداد انقسامًا واستقطابًا؟

نقلا عن رأي اليوم

أحد, 24/05/2026 - 23:24