لحراطين والسؤال الوطني: نحو عدالة تُرمم الذاكرة وتبني المستقبل

القطب سيداتي

في خضمّ ما يعتمل به الفضاء الافتراضي الموريتاني هذه الأيام من سجالات محتدمة حول السلم الاجتماعي، وما يتصل به من حديث متجدد عن مظلمة لحراطين، تبدو الحاجة ماسّة إلى خطابٍ يتجاوز منطق المزايدات والانفعالات العابرة، نحو مقاربة وطنية رصينة، تعترف بالحقائق كما هي، دون تهويل يُفضي إلى القطيعة، ولا إنكارٍ يفاقم الجراح ويعمّق الشعور بالغبن.

فمن المكابرة أن يُنفى وجود مظلمة تاريخية عاشتها فئات واسعة من لحراطين، وهي مظلمة لم تكن مجرد حالة عابرة في تاريخ المجتمع، بل تركت آثارا ممتدة في البنية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والنفسية. 
وما تزال هذه الآثار باديةً في مستويات التفاوت المادي، وفي نسب النفاذ إلى التعليم النوعي، وفي حجم الحضور داخل بعض دوائر التأثير والتمثيل، بل وحتى في بعض الصور الذهنية والرواسب الثقافية التي لم تستطع التحولات القانونية والسياسية أن تمحوها بالكامل.

غير أنّ الاعتراف بالمظلمة لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يزرع اليأس أو يعيد إنتاج الانقسام، وإنما إلى وعيٍ جماعي يدفع نحو الإنصاف والإصلاح. فالمجتمعات لا تُبنى بإخفاء عيوبها، وإنما بالشجاعة في تشخيصها، والحكمة في معالجتها.

ومن هنا، فإن الحديث عن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن يظل حبيس الشعارات العامة، لأن فتح “الحلبة” بالتساوي بين المتسابقين لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة، إذا كان بعضهم قد بدأ السباق مثقلا بعوائق التاريخ والحرمان والتهميش. 
فالتمييز الإيجابي، حين يُدار بعدالة وحكمة، ليس امتيازا مجانيا لفئة على حساب أخرى، بل هو محاولة لإعادة التوازن وتصحيح اختلالات تراكمت عبر عقود طويلة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإقرار بأن الدولة الموريتانية قامت خلال السنوات الأخيرة بخطوات ملموسة تستحق التنويه والتشجيع، حتى وإن كانت الحاجة ما تزال قائمة إلى توسيعها وتعميق أثرها وتسريع وتيرتها. 
فقد مثّلت بعض السياسات الاجتماعية والتنموية، وما تقوم به وكالة وكالة تآزر من برامج دعم وتمكين ومواكبة للفئات الهشة، مؤشراتٍ مهمة على تنامي الوعي الرسمي بضرورة معالجة الاختلالات الاجتماعية. 
كما أن مشروع المدرسة الجمهورية، بما يحمله من سعي إلى بناء فضاء تربوي جامع يخفف الفوارق الاجتماعية والرمزية بين أبناء الوطن، يُعدّ خطوة ذات دلالة عميقة في الاتجاه الصحيح.

ومن الإنصاف أيضا أن يُعترف للنخب والمدارس السياسية الوطنية بما بذلته، كلٌّ من زاويته، في مواجهة هذه القضية منذ الاستقلال، رغم تفاوت المقاربات والنجاحات. 
فقد حملت التيارات اليسارية ملف المظالم الاجتماعية بشجاعة، وخاضت معارك فكرية وسياسية صعبة في وجه البنى التقليدية المحافظة. 
كما أسهمت التيارات الإسلامية، عبر مؤسساتها التعليمية وجمعياتها الخيرية وخطابها الديني، في فتح آفاق واسعة للتعليم والتكافل وإعادة الاعتبار لقيم المساواة الإنسانية والأخوة الإسلامية. 
أما التيارات القومية، فبالإضافة إلى أدوارها التعليمية فقد سعت إلى دمج لحراطين ضمن التصور الوطني العروبي الجامع، وعاملتهم بوصفهم جزءا أصيلا من النسيج العربي الموريتاني، مطلقة عليهم وصف “العرب السمر” في محاولة لاحتضانهم رمزيا واجتماعيا ضمن هوية جامعة تتجاوز التصنيفات التقليدية الضيقة.

ومع ذلك كله، فإن الطريق ما يزال طويلا، لأن القضايا الاجتماعية العميقة لا تُحل بخطاب موسمي، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بتراكم الإصلاحات، واستمرار الإرادة السياسية، وتوسيع فرص التعليم والتمكين الاقتصادي، وتعزيز دولة القانون، وترسيخ ثقافة الكرامة والمواطنة المتساوية، وهذا ما يجب على النخب - ومنهم نخب لحراطين- التركيز عليه بدل الاستنفار لتقاسم الكعكة.

إن السلم الاجتماعي ليس مجرد غياب للصراع، بل هو شعور جماعي بالإنصاف والانتماء والاحترام المتبادل. 
وكل خطاب يُؤجج الكراهية أو يُشيطن مكونا اجتماعيا كاملا، أيا كان مصدره، إنما يعبث بأسس هذا السلم، ويُضعف قدرة المجتمع على تجاوز جراحه التاريخية.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن بناء موريتانيا أكثر عدلا وإنصافا ليس معركة فئة ضد أخرى، بل مشروع وطن يتسع للجميع، وينهض بالجميع، ويحفظ للجميع كرامتهم ومكانتهم وحقهم الكامل في الحلم والمشاركة والمستقبل.

 

ثلاثاء, 19/05/2026 - 16:35