خلصت دراسة دنماركية واسعة النطاق إلى أن عمل الأمهات في وظائف تنطوي على التعرض المتكرر لمواد كيميائية سامة أو مستويات مرتفعة من الضغط النفسي قد يرتبط بزيادة احتمالات تشخيص الأطفال باضطراب طيف التوحد.
وشدد الباحثون على أن النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، بل تكشف ارتباطاً يستدعي مزيداً من الدراسات لفهم تأثير بعض العوامل المهنية المحتملة على النمو العصبي للجنين والطفل.
وأضافت الدراسة المنشورة في دورية Occupational & Environmental Medicineبعداً جديداً إلى النقاش العلمي بشأن العوامل البيئية والمهنية المحتملة المرتبطة باضطراب طيف التوحد.
وبدلاً من التركيز فقط على التعرضات العامة في البيئة أو العوامل الوراثية، حاول الباحثون تتبع تاريخ عمل الأمهات قبل الحمل وأثناءه وبعد الولادة، لمعرفة ما إذا كانت بعض المهن ترتبط بزيادة احتمالات تشخيص الأطفال بالتوحد لاحقاً.
اضطراب معقد وأسباب متعددة
اضطراب طيف التوحد حالة نمائية عصبية تستمر مدى الحياة، وتتميز عادة بصعوبات في التواصل الاجتماعي، وأنماط سلوك أو اهتمامات مقيدة أو متكررة، ولا يوجد سبب واحد معروف للتوحد، إذ تشير الأبحاث العلمية إلى تداخل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية والبيولوجية خلال مراحل مبكرة من النمو.
وبحثت دراسات سابقة في احتمال وجود صلة بين بعض مهن الأمهات وتشخيص التوحد لدى الأطفال، لكن نتائجها لم تكن متسقة.
ويعود ذلك، وفق ما يشير إليه الباحثون، إلى أن كثيراً من هذه الدراسات اعتمد على عينات صغيرة، أو على بيانات يبلغ عنها المشاركون بأنفسهم، كما أنها لم تقيم توقيت التعرض المهني بدقة خلال فترات نمو مختلفة، مثل ما قبل الحمل أو أثناء الحمل أو خلال الطفولة المبكرة.
لذلك سعت الدراسة الجديدة إلى تجاوز بعض هذه القيود عبر استخدام سجلات دنماركية واسعة، وربط بيانات تشخيص التوحد لدى الأطفال بتاريخ عمل الأمهات المسجل رسمياً.
اعتمد الباحثون على بيانات 1702 حالة لأطفال شخصوا باضطراب طيف التوحد، ولدوا في الدنمارك بين عامي 1973 و2012. وقورنت هذه الحالات بـ108 آلاف و532 طفلاً غير مشخصين بالتوحد، جرت مطابقتهم مع الحالات بحسب الجنس وسنة الميلاد.
وكان 70% من الأطفال في مجموعتي الحالات والضوابط من الذكور، كما ولدت نسبة كبيرة منهم، بلغت 46%، خلال تسعينيات القرن الماضي.
استخرج الباحثون تاريخ عمل الأمهات من سجل صندوق المعاشات الدنماركي، ثم صنفوا الوظائف إلى 7 فئات مهنية. ولم يكتفوا بالنظر إلى عمل الأم خلال الحمل فقط، بل درسوا المهن التي شغلتها قبل الحمل بعام، وأثناء الحمل، وخلال فترة الطفولة المبكرة للطفل.
كما أخذ التحليل في الاعتبار مجموعة من العوامل التي قد تؤثر في النتائج، مثل عمر الأم، وتاريخها مع الاضطرابات النفسية أو العصبية، وما إذا كانت تدخن أثناء الحمل، والوضع الاجتماعي والاقتصادي.
ويعد ضبط هذه العوامل مهماً لأن اضطراب طيف التوحد لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولأن ظروف الأسرة والصحة العامة والتاريخ النفسي قد تؤثر في احتمالات التشخيص، أو في مسارات النمو العصبي.
مهن ارتبطت بزيادة الاحتمالات
وجدت الدراسة أن احتمالات تشخيص الطفل باضطراب طيف التوحد كانت أعلى لدى الأمهات اللاتي عملن، من فترة ما قبل الحمل حتى الطفولة المبكرة، في قطاعات النقل البري، والإدارة العامة، والجيش أو الدفاع.
وبحسب النتائج، ارتبط عمل الأم في المهن العسكرية أو الدفاعية قبل الحمل أو أثناءه بزيادة قدرها 59% في احتمالات تشخيص الطفل باضطراب طيف التوحد.
كما ارتبط العمل في النقل البري، حيث قد تتعرض العاملات لمنتجات الاحتراق وعوادم المركبات والجسيمات الدقيقة، بزيادة قدرها 24% في الاحتمالات.
ووجدت الدراسة أيضاً أن العمل في القطاع القضائي قبل الحمل وأثناءه ارتبط بزيادة قدرها 59% في احتمال تشخيص الطفل بالتوحد.
ولوحظت هذه الارتباطات عندما كانت المهن مشغولة قبل الحمل بعام، وأثناء الحمل، وخلال فترة الطفولة المبكرة، لكنها أصبحت أضعف عندما نظر الباحثون إلى مرحلة الطفولة المبكرة فقط.
وقد يشير ذلك إلى أن فترات ما قبل الحمل والحمل قد تكون أكثر حساسية فيما يتعلق بالتعرضات المهنية المحتملة، وإن كانت الدراسة لا تستطيع تأكيد آلية سببية محددة.
يقترح الباحثون أن العمل في المهن الدفاعية قد يعني التعرض لمزيج من المخاطر، من بينها الرصاص الناتج عن التعامل مع الذخائر أو تدريبات الرماية، وعوادم المركبات، والمذيبات الصناعية.
وبالمثل، قد تتعرض العاملات في النقل البري والجوي لعوادم الاحتراق والجسيمات الدقيقة، وهي ملوثات يجري بحث آثارها الصحية على نطاق واسع.
أما في القطاع القضائي، فيطرح الباحثون احتمال أن يلعب الضغط النفسي المرتبط بالعمل دوراً في هذه الارتباطات، فالضغط المهني الشديد قد يسهم في الإرهاق والانزعاج لدى الأم، وقد يؤثر، نظرياً، في النمو العصبي للطفل عبر مسارات بيولوجية مثل زيادة الالتهاب أثناء الحمل.
ومع ذلك، يظل هذا تفسيراً محتملاً لا دليلاً قاطعاً، لأن الدراسة لم تقس مستويات التوتر الفردية أو التعرضات الكيميائية بدقة على مستوى كل عاملة.
وتشير النتائج إلى أن المسألة قد لا تتعلق بمسمى المهنة وحده، بل بما تحمله بيئة العمل من تعرضات متداخلة من مواد كيميائية، وعوادم، وجسيمات دقيقة، وضغط نفسي، أو مزيج من هذه العوامل. وهذا ما يجعل فهم العلاقة بين العمل أثناء الفترات الحساسة من النمو وخطر الاضطرابات النمائية العصبية أمراً معقداً.
لم تجد الدراسة ارتباطاً بين اضطراب طيف التوحد وعمل الأم في الزراعة، رغم أن هذا القطاع قد يتضمن تعرضاً للمبيدات. كما لم تكن الزيادة المحتملة في احتمالات التشخيص المرتبطة بمهن مثل النقل الجوي، وصناعات المعالجة الكيميائية، وخدمات التنظيف، ذات دلالة بعد أخذ العوامل المربكة الأخرى في الاعتبار.
ويقول الباحثون إن هذه النتائج مهمة؛ لأنها تمنع قراءة الدراسة على أنها اتهام عام لكل المهن ذات التعرضات الكيميائية، إذ يشير التحليل إلى أن بعض الارتباطات تضعف أو تختفي عند ضبط عوامل أخرى، ما يؤكد ضرورة الحذر في تفسير النتائج، وعدم تحويلها إلى استنتاجات مبسطة أو مثيرة للقلق.
حدود الدراسة
رغم حجم العينة وقوة استخدام السجلات الوطنية، فإن الدراسة رصدية بطبيعتها، وبالتالي لا تستطيع إثبات أن مهنة الأم أو تعرضها المهني هي السبب المباشر في إصابة الطفل باضطراب طيف التوحد. كما أن تصنيف المهن اعتمد على فئات صناعية واسعة، ولم يتضمن تفاصيل دقيقة عن المسمى الوظيفي أو المهام اليومية أو شدة التعرض أو مدته.
فعلى سبيل المثال، قد تعمل امرأتان في القطاع نفسه، لكن إحداهما تتعرض لعوادم أو مذيبات أو ضغط عال بدرجة أكبر بكثير من الأخرى. كما أن نتائج الدراسة قد لا تنطبق بالضرورة على دول خارج الدنمارك، حيث تختلف ظروف العمل، وأنظمة السلامة المهنية، والرعاية الصحية، وأنماط التشخيص.
ويخلص الباحثون إلى أن المهن التي تتضمن تعرضاً متكرراً للمواد السامة ومنتجات الاحتراق، وكذلك المهن عالية الضغط، قد تسهم في مخاطر نمائية عصبية لدى الأطفال. لكنهم يدعون إلى دراسات مستقبلية تبحث في التعرضات المحددة، منفردة ومجتمعة، لمعرفة أيها أكثر تأثيراً في احتمالات تشخيص اضطراب طيف التوحد.
لا تعني الدراسة أن الأمهات العاملات في هذه القطاعات يجب أن يشعرن بالذنب أو الخوف، ولا أنها تقدم سبباً مباشراً للتوحد، لكنها تفتح باباً مهما للنقاش حول الصحة المهنية خلال الفترات الحساسة مثل ما قبل الحمل وأثناءه، فإذا كانت بعض التعرضات في بيئة العمل قابلة للتقليل عبر تحسين التهوية، أو الحد من الملوثات، أو توفير معدات الوقاية، أو تخفيف الضغط المهني، فإن ذلك قد يكون مفيداً لصحة العاملات عموماً، بصرف النظر عن علاقته النهائية بالتوحد.
نقلا عن الشرق للأخبار











