في زمن تتزاحم فيه الأمم على صناعة صورتها الناعمة، وتتنافس الدول في ترسيخ حضورها الحضاري داخل المنتديات الدولية، يبرز اسم السيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه بوصفه عنوانا لمرحلة جديدة من الإشعاع الموريتاني الهادئ، القائم على الحكمة والرؤية والرأسمال الرمزي للأمم. وقد جاء اختيارها سفيرة للنوايا الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) تتويجا لمسار حافل بالعطاء، وتكريسا لمكانة موريتانيا الثقافية والإنسانية في الفضاء الإسلامي والدولي، كما أنه اعتراف صريح بكفاءة امرأة استطاعت أن تجمع بين الرصانة العلمية، والحضور الاجتماعي، والالتزام الإنساني النبيل.
ولئن كانت الألقاب البروتوكولية تُمنح أحيانا مجاملة دبلوماسية، فإن هذا التعيين جاء محمولا على رصيد حقيقي من المبادرات والإنجازات، وعلى صورة مشرقة لبلد ظل عبر القرون منارة للعلم والمحاظر واللغة والفقه والفكر. فالسيدة الأولى لم تدخل فضاء العمل الإنساني من باب الظهور المناسباتي أو الحضور الشكلي، وإنما من باب الإيمان العميق بأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان، وتحصين الأسرة، وتمكين المرأة، وتوسيع دائرة الوعي والتعليم والرعاية الاجتماعية.
لقد ارتبط اسم الدكتورة مريم بنت الداه خلال السنوات الأخيرة بجملة من الأنشطة والمبادرات ذات البعد الاجتماعي والتربوي، حيث كرست حضورها لدعم الفئات الهشة، ومؤازرة النساء والأطفال، والمساهمة في نشر ثقافة التضامن والتكافل، إلى جانب اهتمامها بالقضايا الصحية والتوعوية، وهو ما جعلها تحظى بصورة إيجابية داخل المجتمع الموريتاني وخارجه. ولم يكن ذلك الحضور مجرد واجهة رمزية، بل أصبح جزءا من ديناميكية الدولة الموريتانية الحديثة، التي تسعى إلى جعل الإنسان محور السياسات العمومية وغاية المشاريع التنموية.
ويكتسب هذا التتويج بعدا أعمق حين يقرأ في سياقه الوطني والحضاري؛ فموريتانيا، التي احتضنت في السنوات الأخيرة فعاليات ثقافية وفكرية كبرى، وأثبتت قدرتها على لعب دور توازني في محيطها الإقليمي، باتت اليوم تؤسس لنموذج جديد من الدبلوماسية الثقافية، قوامه توظيف الإرث الحضاري في خدمة الحضور الدولي. ومن هنا، فإن تعيين السيدة الأولى سفيرة للنوايا الحسنة لا يمثل شخصها فحسب، بل يعكس صورة وطن كامل يحمل ذاكرة المحاظر، وهيبة المخطوط، وبلاغة الشعر، وعمق الانتماء الإسلامي.
لقد ظلت بلاد شنقيط، منذ قرون، خزانا معرفيا للعالم الإسلامي، تشد إليها الرحال طلبا للعلم، ويضرب بها المثل في الحفظ والفقه واللغة والزهد. ومن هذه الأرض التي أنجبت العلماء والفقهاء والأدباء، تخرج اليوم امرأة تحمل ذات الرسالة ولكن بأدوات العصر الحديث؛ رسالة بناء الإنسان، وإحياء الثقافة، وتعزيز قيم الحوار والانفتاح. ومن ثم فإن اختيار مريم بنت الداه هو، في جوهره، احتفاءٌ عالمي بالمدرسة الشنقيطية في بعدها الحضاري والإنساني.
ولعل من أبلغ الدلالات في هذا التعيين أنه يأتي في مرحلة يشهد فيها العالم الإسلامي حاجة متزايدة إلى النماذج النسائية الرصينة، القادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على القيم والانفتاح على العالم. فالسيدة الأولى تمثل نموذج المرأة الموريتانية التي لم تفقد وقارها وهي تعانق العصر، ولم تتخل عن هويتها وهي تنفتح على الفضاء الدولي، بل استطاعت أن تجعل من العلم والأخلاق والعمل الاجتماعي جسورا للعبور نحو التأثير الإيجابي.
كما أن هذا الاختيار يعد مكسبا دبلوماسيا وثقافيا لموريتانيا، لأنه يمنحها حضورا إضافيا داخل مؤسسة دولية تعنى بصناعة الوعي، وصياغة السياسات التربوية والثقافية، والدفاع عن الهوية الحضارية للأمة الإسلامية. ومن شأن هذا الموقع أن يفتح آفاقا أرحب أمام الكفاءات الموريتانية، وأن يسهم في التعريف بالتراث الوطني، وبالموروث العلمي الشنقيطي، وبالخبرات الثقافية والفكرية التي تزخر بها البلاد.
وإذا كانت الأمم تقاس اليوم بقدرتها على إنتاج القوة الناعمة، فإن موريتانيا، بهذا التعيين، تؤكد أنها ليست مجرد بلد هامشي في خارطة العالم، بل فضاءٌ حضاري يمتلك من العمق الرمزي ما يؤهله ليكون فاعلا في معادلات الثقافة والفكر والتأثير المعنوي. فالدبلوماسية لم تعد مقتصرة على البيانات السياسية والاتفاقيات الرسمية، بل أصبحت الثقافة، والتعليم، والعمل الإنساني، والرموز الاجتماعية، أدواتٍ فعالة في ترسيخ صورة الدول وتعزيز مكانتها.
إن السيدة الأولى، وهي تتقلد هذا المنصب الرفيع، تحمل معها صوت المرأة الموريتانية الكادحة، وطموح الشباب الباحث عن المعرفة، وذاكرة الأجداد الذين صاغوا مجد شنقيط بالحبر لا بالسيف وحده. تحمل معها عبق الصحراء الموريتانية، وهيبة المحاظر، وبلاغة القصيد الحساني والفصيح، وتحمل أيضا إرادة دولة تسعى بثبات إلى ترسيخ مكانتها بين الأمم عبر الاعتدال والحكمة والعمل الهادئ المنتج.
وفي هذا المقام، لا يمكن إغفال الانسجام الكبير بين هذا التقدير الدولي وبين الرؤية التي يقودها محمد ولد الشيخ الغزواني، القائمة على تعزيز صورة موريتانيا كبلد استقرار وتسامح وانفتاح، وعلى جعل الثقافة والتعليم والإنسان ركائز أساسية في مشروع الدولة الحديثة. ومن ثمّ، فإن هذا الإنجاز يُقرأ أيضا باعتباره امتدادا لحضور موريتانيا المتنامي في المؤسسات الدولية، وترسيخا لمكانتها بوصفها دولة قادرة على تصدير الكفاءات والرموز الحضارية.
ختاما، فإن تسمية الدكتورة مريم محمد فاضل الداه سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو ليست حدثا عابرا في رزنامة الأخبار، بل محطة رمزية ذات أبعاد عميقة، تؤكد أن موريتانيا تمضي بثبات نحو ترسيخ حضورها الثقافي والإنساني في العالم الإسلامي. وهو تكريم لامرأة جعلت من العمل الإنساني رسالة، ومن التربية مشروعا، ومن الثقافة جسرا للتواصل بين الشعوب. كما أنه انتصار جديد لبلاد المليون شاعر، تلك البلاد التي ما تزال، رغم قسوة الجغرافيا وشح الإمكانات، قادرة على إنجاب الرموز، وصناعة الأمل، وإهداء العالم نماذج مضيئة من الحكمة والرقي والرسالة الحضارية الخالدة.











