المجازر في إيران: حقيقة أم كذب؟

د. جمال لعبيدي

من المثير للدهشة أن يتم تداول رقم يتراوح بين 30 ألفًا و40 ألف قتيل في إيران، خلال قمع المظاهرات، من دون أن تُجرى أي تحقيقات صحفية مضادة أو مستقلة في وسائل الإعلام السائدة، رغم أن هذا الرقم يشكّل في صميمه أحد المبررات الأساسية للحرب الإسرائيلية الأميركية ضد هذا البلد.

إن اتهام الأنظمة بارتكاب “مجازر بحق السكان” يحتل مكانة متكررة ومركزية في الخطاب التدخلي الغربي. فهو دائمًا حصان طروادة، ودائمًا المرحلة الأولى قبل المرحلة الثانية الحتمية: أي تحويل البلد إلى ساحة نار ودمار في مجزرة لا جدال فيها هذه المرة. روتين كئيب ودموي: يوغوسلافيا، أفغانستان، العراق، ليبيا، والآن إيران.

إن “إنقاذ الشعوب” و”واجب التدخل الإنساني” يصبحان الحجة الأخيرة عندما تغدو المبررات الأخرى ــ “أسلحة الدمار الشامل”، “القانون الدولي”، “حقوق الإنسان” وغيرها ــ غير قابلة للتسويق. ولعل البعض يتذكر أن جورج بوش الابن هو من صاغ، بخصوص العراق، عبارة “قتل شعبه هو”، مع التركيز على كلمة “هو” لما تحمله من شحنة عاطفية. ثم انطلق بوش الابن وخلفاؤه، كما أسلافه، في قتل شعوب الآخرين. وتبدو حجة “إنقاذ الشعوب” أكثر سريالية حين تصدر عن إسرائيل التي أصبح القتل البارد والمنهجي أحد تخصصاتها.

 

 

“المجازر” كوسيلة لتبرير التدخل

إن الأرقام المتداولة حول “المجازر” التي يُقال إن السلطة الإيرانية ارتكبتها ينبغي بطبيعة الحال أن تثير الشكوك لدى أي محترف في مجال الإعلام. وأول سبب لذلك هو طابعها المبالغ فيه بشكل واضح، بل وغير المعقول. هل يمكن أن يكون كل ذلك قد حدث خلال يومين فقط؟ مستحيل. فالقتل يحتاج إلى وقت طويل، والإسرائيليون يعرفون ذلك جيدًا في غزة رغم استخدامهم وسائل صناعية للقتل. ومن جهة أخرى، فإن أنهار الدماء وأكوام الجثث يستحيل إخفاؤها أو التستر عليها، كما رأينا أيضًا في غزة.

إن فرضية “المجازر” ليست موثقة بطريقة مقنعة أو قاطعة. فالصور القليلة المتداولة عبارة عن مقاطع فيديو غامضة، بعيدة، مظلمة أو غير واضحة، وغالبًا يستحيل تحديد زمانها ومكانها. وحتى المظاهرات نفسها، التي يُفترض أنها تعرضت لقمع دموي واسع، ليست موثقة: فلا أثر لـ”المظاهرات الحاشدة” التي تتحدث عنها وسائل الإعلام الغربية الكبرى؛ بل نرى غالبًا صفوفًا متفرقة في شوارع ضيقة، أو مجموعات متناثرة. أما البقية فهي أحيانًا بعض الصيحات الليلية المتفرقة الصادرة من المباني.

وفي النهاية، لا يبقى واضحًا سوى الشهادات، وهي صادرة عن معارضين يعيشون خارج إيران منذ عقود، ولا تبدو عليهم، عند رؤيتهم أو سماعهم، أي ملامح “إيرانية”. إنهم يشبهون تمامًا تلك الأرستقراطية الفرنسية التي، بعد ثورة 1789، كانت تنتظر العودة “في عربات الأجنبي”. إنهم يصفقون لقصف بلدهم. ويقول هؤلاء، وهم في مأمن مريح داخل العواصم الغربية، إن الشعب الإيراني يصفق للقصف ويطالب بالمزيد منه. نادرًا ما رأينا معارضة أقل كرامة، وأكثر ضعة، وأكثر انفصالًا عن الواقع، وأكثر عبثية. لكن لحسن الحظ، فإن هذه ليست سوى فئة من الشتات الإيراني، تلك التي تحظى بحضور دائم في الإعلام الغربي، ولا ينبغي الخلط بينها وبين المهاجرين الإيرانيين الذين يتظاهرون الآن ضد الحرب أمام البيت الأبيض.

إذًا، لا يوجد، للوهلة الأولى، أي شيء متين حقًا يدعم رواية سقوط 30 إلى 40 ألف قتيل. ففي الواقع، كل شيء يقوم على تصريحات إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى وسائل الإعلام التي ترددها بلا أي روح نقدية، وتكررها كشعارات دعائية في كل مناسبة.

باختصار، هناك تفاوت هائل بين المعطيات والصور المقدمة ــ وهي قليلة في النهاية ــ وبين

أعداد الضحايا المعلنة.

وثيقة أساسية: التحقيق الذي أجراه جريدة “لوريان لو جور””

ورغم ذلك، فقد تأثرت، مثل الجميع، بالإلحاح الإعلامي والسياسي، وبضخامة الحملة، وباليقين الذي كانت تبديه وسائل الإعلام والسياسيون من مختلف الاتجاهات في أوروبا والولايات المتحدة. ربما كان هناك شيء من الحقيقة؟

لذلك أردت أن أعرف أكثر. وفي النهاية عثرت على وثيقة، أو بالأحرى فيلم وثائقي، بدا لي أساسيًا. وربما يكون هو المصدر الذي انطلقت منه كل المواد (الصور، الفيديوهات، الشهادات) المستخدمة في الحملة ضد إيران، أو ربما تجميع شامل  لها. إنه تحقيق-ريبورتاج من موقع الصحيفة اللبنانية الفرنكوفونية “لوريان لو جور.”

تُعرض المعطيات من طرف مقدمتين: الأولى رئيسية تتحدث بالفرنسية، والثانية بالإنجليزية. ويتم تقديم الثانية بصفة عامة وغامضة على أنها ممثلة “للمنظمات الدولية” ”، دون أي توضيح آخر، وهو خطأ مهني جسيم عادةً. وهكذا يُوحى بأنها ممثلة لمنظمة إنسانية وبالتالي موثوقة.

النبرة العامة تبدو مهنية ومحايدة، وتترك انطباعًا بوصف “سريري” للأحداث. إن سرد المقدمة الرئيسية هي التي تمنح الصور معناها؛ فبدونها تبدو الصور في الغالب غير مفهومة. وغالبًا ما تتراجع المقدمة الرئيسية لإفساح المجال لتدخل الثانية (المتحدثة بالإنجليزية) أو لمقابلتها، مما يعطي انطباعًا بالحياد والموضوعية.

تلك المتحدثة بالإنجليزية، فهي في الواقع تؤدي دورًا محوريًا في السرد، وتشغل جزءًا كبيرًا من مساحة الوثائقي. فهي تصف أهوالًا بصوت بارد ومقتضب وحيادي للغاية، ما يبدو مقنعًا جدًا، لكن عندما يستعيد المشاهد انتباهه يكتشف في النهاية أن ما تقوله ليس سوى سلسلة من الادعاءات اللفظية التي لا يسندها أي دليل.

وتحاول هذه المادة الوثائقية استخدام تقنيات حديثة، لا سيما تحديد المواقع جغرافيًا على الخرائط للأماكن التي قيل إن الأحداث وقعت فيها. غير أن اللجوء إلى هذه التقنيات يبدو في معظم الأحيان بلا فائدة، بل ومصطنعًا، يثقل السرد، ويتضح في النهاية أنه مجرد استخدام عادي ل”قوقل مابس”ـ كما يفعل أي شخص لتحديد طريقه

تفاصيل التحقيق

يتحدث الوثائقي في بدايته عن آلاف الفيديوهات والشهادات التي قيل إنه تحقق منها وصادق عليها. ومع ذلك، لا نرى فعليًا سوى ما سبق أن بثته وسائل الإعلام على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه، يقول الوثائقي، في تناقض مع ادعائه الأول، إن المعلومات قليلة لأن الإنترنت قُطع. كما أن حجة رداءة الفيديوهات ــ كونها تصويرًا هاويًا تم خلسة ــ لا تكفي.

لكن لندخل في التفاصيل. يشير التحقيق عدة مرات إلى إطلاق نار حي على المتظاهرين، غير أن شيئًا لا يثبت ذلك بشكل قاطع. نسمع أصوات إطلاق نار، لكن يمكن بسهولة أن تكون طلقات في الهواء لتفريق المتظاهرين. كما لا شيء يسمح بتحديد مكان أو زمان هذه الأحداث. وينطبق الأمر نفسه على صور إحراق مراكز الشرطة أو دراجات الشرطة النارية التي تُعرض بوصفها دلائل على “المقاومة” و”حرب الشوارع”.”

وعندما يظن المشاهد أنه عثر أخيرًا على واقعة ملموسة وخطيرة تمثل مجزرة واضحة، تكون الصور قصيرة وعابرة وبعيدة. اللحظة الوحيدة التي تبدو وكأنها تقدم دليلًا ملموسًا هي مظاهرة في “مالكشاهي” قرب الحدود. ويُطلق عليها اسم “أول مذبحة”، ما يوحي بوجود مذابح أخرى، لكننا لا نراها. والغريب أن الوثائقي “ينسى” أن يوضح أن المنطقة كردية حدودية، ربما لأن صناع الوثائقي رأوا أن ذلك قد يعقد الرواية ويغير دلالة الحدث.

نرى “قوات شبه عسكرية” ــ حسب التعبير المستخدم ــ قيل إنها كانت محاصرة داخل “قاعدتها”. ويقول التعليق إنها فتحت النار على المحاصِرين. لكن لا شيء يثبت، هنا أيضًا، أنها لم تكن تطلق النار في الهواء. بل إن ما يؤكد ذلك أن المهاجمين يتفرقون ركضًا ثم يتوقفون فورًا من دون أن تبدو عليهم علامات الذعر.

ويُعرض فيديو آخر باعتباره شديد الدلالة: “مسؤولون، بحسب التعليق، يعتدون بعنف على عائلات جرحى داخل مستشفى”. لكن التعليق وحده هو من يقول ذلك. أما الصور نفسها فمشوشة ولا تقدم أي معلومة دقيقة عن زمان أو مكان الحدث.

وفي مجمل الوثائقي، لا نرى شيئًا قاتلًا بشكل لا يقبل الجدل، باستثناء مشهد واحد جرى تداوله كثيرًا باعتباره دليلًا على القتل، وهو مشهد جثث داخل أكياس سوداء. وهي صور غريبة لأن الناس يتحركون بهدوء للتعرف على الجثث داخل مكان يبدو محميًا. وبالتالي، تبدو الصور رسمية أكثر منها سرية، وربما قدمتها السلطات لتدعيم روايتها عن مدنيين أبرياء قتلهم “مثيرو الشغب.”

وفي لقطة ضيقة جدًا تظهر لجزء من الثانية جثة ملقاة على الأرض، لكن من دون التعليق ما كان بالإمكان فهم المشهد. وهناك أيضًا فيديو يبدو محور الوثائقي لأنه يتكرر عدة مرات: مركبة تندفع نحو المتظاهرين. وقد يشكل ذلك بالفعل دليلًا مقنعًا على قمع متعمد وعنيف وغير متناسب، لكن ينتاب المشاهد إحساس غريب بأنه سبق أن رأى المشهد. وفي الواقع، يشبه بشكل لافت فيديو آخر يتعلق بقمع مظاهرات في المغرب بتاريخ 2 أكتوبر 2025، ما يستوجب التحقق (1).

كما ينبغي الإشارة إلى أن الوثائقي لا يحدد أبدًا مصادر المعلومات المقدمة، باستثناء حدث واحد أُشير فيه إلى منظمة “هيومن رايتس” كمصدر، وهي منظمة إنسانية معروفة يفترض أنها موثوقة، لكنها بدورها تعتمد على الادعاءات دون إثبات.

وباختصار، يكتشف المشاهد في النهاية أنه أمام سلسلة من الادعاءات تُعرض بنبرة درامية ومأساوية توحي بضرورة تدخل عاجل، كما حدث في ليبيا حين قيل إن هناك “مجازر جماعية” يجب وقفها فورًا. وقد تبيّن لاحقًا أن ذلك لم يكن صحيحًا.

هل نحن أمام تلاعب هائل؟

هل يتعلق الأمر، مرة أخرى، بعملية تلاعب ضخمة؟ كل شيء يبدو وكأنه يشير إلى ذلك: نفس الأسباب، نفس النتائج، نفس الأساليب.

لا ينبغي أن ننسى أن هذه الصور، كما جُمعت في هذا الوثائقي، ومن دون أي شيء آخر تقريبًا، هي التي بُنيت عليها حملة إعلامية هائلة استُخدمت لتبرير الحرب الحالية المدمرة. ويتضح في النهاية أننا أمام واقع إعلامي خالص، ضمن حملة تمهيدية للعدوان، جرى فيها تسخير وسائل ضخمة للغاية. وعلى أي حال، أضع هنا رابط هذا التحقيق الوثائقي حتى يتمكن كل شخص من الحكم بنفسه(2).

في غزة، كانت صور المجازر تُبث مباشرة، وكانت غير قابلة للإنكار. ومع ذلك، فإن القوى الإعلامية والسياسية نفسها التي شنت حملة ضد إيران أنكرت واقع تلك المجازر والإبادة الجماعية. في أي عالم يريدون أن نعيش؟

في الختام، ما يبدو مؤكدًا هو أن عددًا مهمًا من الضحايا سقط خلال المظاهرات في إيران. والرقم الذي أعلنته السلطات الإيرانية هو 3000 قتيل، وهو بحد ذاته رقم ضخم لا يحتاج إلى مبالغة إضافية. وما يبدو مؤكدًا أيضًا أن العدد ليس ذلك الذي تروج له وسائل الإعلام الغربية، إذ لا يوجد ما يثبته.

ويبقى سؤال أساسي: هل كان القمع موجّهًا ضد متظاهرين سلميين، أم أنه جاء لمواجهة اضطرابات مرتبطة بعملية “تغيير نظام”؟ تبدو الفرضية الثانية أكثر ترجيحًا، خاصة بعد دعوات نتنياهو وترامب إلى الانتفاض، وبعد تأكيد الموساد نفسه ــ بصورة لافتة ــ تدخله عبر عملائه، بما في ذلك توفير الأسلحة. ومن المعروف الآن أن هذه العملية كانت تهدف إلى “قطع رأس النظام”، وقد جرت بالفعل. لكن الإسرائيليين والأميركيين كانوا على الأرجح يعولون على اضطرابات طويلة الأمد، وهو ما خيب حساباتهم.

كما أن التوقف شبه الفوري للاضطرابات يؤكد فرضية التلاعب الخارجي. إذ لا يمكن تفسير توقفها بمجرد قمع “وحشي”، لأن أي قوة أمنية أو عسكرية لا تستطيع الوقوف أمام شعب موحد انتفض في كل مكان كما وصفته وسائل الإعلام الغربية. وإلا فكيف يمكن تفسير المظاهرات الحاشدة المؤيدة للسلطة التي خرجت في الأيام التالية، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن ، في مختلف أنحاء إيران؟

ويشارك فيها أيضًا قادة البلاد الذين يبدو أنهم يُستقبلون بتعاطف، بالنظر إلى الطريقة التي يختلطون بها بالحشود، والطريقة التي يلتقط بها الإيرانيون صور “سيلفي” معهم، فضلًا عن تفاصيل كثيرة يصعب اختلاقها. وبعد كل ما حدث، لا ينبغي نسيان أن هؤلاء القادة يدركون أن هذه الجرأة قد تكلفهم حياتهم، وأن من يسعون لاغتيالهم يترصدونهم.

يمكن بالطبع القول إن كل ذلك من تنظيم السلطة. يمكن قول أي شيء عندما لا يستند المرء إلى الوقائع.

أما الوقائع، فيمكن رؤيتها مباشرة: إنها صور عشرات الآلاف من الإيرانيات والإيرانيين الذين يملؤون الشوارع، متحدّين القصف الإسرائيلي-الأميركي و”الجحيم” الذي توعد به ترامب. إنهم يبتسمون، ويتجولون بهدوء، حاملين العلم الوطني، في حالة من الأخوة الاجتماعية التي لا تعرفها الشعوب إلا في اللحظات الكبرى من تاريخها.

نقلا عن رأي اليوم

أربعاء, 13/05/2026 - 22:44