يعقد حزب العدالة والتنمية المغربي آمالاً كبيرة على الانتخابات البرلمانية المرتقبة في صيف عام 2026، سعياً للعودة إلى السلطة بعد الهزيمة الانتخابية القاسية التي مني بها في انتخابات عام 2021.
بناء على ذلك، يمكن قراءة الرهان الذي يعقده حزب العدالة والتنمية لتصدر الانتخابات، أو على الأقل احتلال مرتبة متقدمة، من خلال سيناريوهات متعددة؛ بعضها يخدم مصالح الحزب، وبعضها الآخر قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النتيجة ذاتها التي حققها في انتخابات مجلس النواب لعام 2021.
من هذا المنطلق، ثمة ملاحظات عديدة حول الممارسة الخطابية للحزب ورهاناته في الانتخابات القادمة؛ فبعضها قد يؤدي إلى إعادة تموضعه نسبياً، بينما قد يفضي بعضها الآخر إلى استمرار تراجعه الانتخابي.
في هذا السياق، تتجلى الملاحظة الأولى في رهان الحزب على تغيير مرشحيه في هذه الانتخابات؛ إذ زكى وجوهاً جديدة وغير معروفة لدى المجتمع المغربي، وتفتقر إلى أي شعبية حتى في محيطها المحلي. وإذا كان الحزب يسعى من خلال هذا التغيير إلى إظهار إسهامه في تجديد النخب وتفادي إعادة إنتاج الوجوه القديمة -خلافاً للأحزاب السياسية الأخرى – فإن هذا الرهان قد يضعف الحزب؛ نظراً لأن البيئة الاجتماعية في المغرب لا تزال خاضعة للنخب التقليدية القائمة على علاقات إدارية وسياسية تخدم المصالح الشخصية، وهو ما يتنافى مع المبادئ الديمقراطية. ورغم أن تغيير النخبة مطلب ضروري، إلا أنه يصطدم بأبعاد جغرافية وثقافية واجتماعية تفرض قيودها على المجتمع المغربي وتحدد مدى تقبله لهذا التغيير أو رفضه.
وتتمثل الملاحظة الثانية في أن حزب العدالة والتنمية شهد خروج مجموعة من مناضليه القدامى، لا سيما المؤسسين أو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “صقور الحزب”؛ وهو أمر سيؤثر بلا شك على النتائج التي يطمح الحزب لتحقيقها في انتخابات مجلس النواب المقبلة.
أما الملاحظة الثالثة تكمن في أن عودة عبد الإله ابنكيران لقيادة حزب العدالة والتنمية تُعد نقطة محورية من شأنها تعزيز قوة الحزب؛ إذ تُعتبر شخصيته آلية فعالة للتسويق السياسي، بفضل ما يتمتع به من شعبية واسعة، وما يعتمده من خطاب يستهدف مختلف شرائح المجتمع المغربي، حتى وإن حافظ على سمات خطابه السابق القائم على مفاهيم المظلومية والتحكم.
وتتعلق الملاحظة الرابعة باستمرار حزب العدالة والتنمية في تبني الخطاب نفسه؛ إذ يروج لفكرة كونه ضحية لتوقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، وضحية لما سُمي بـ “البلوكاج الحكومي” الذي رافق محاولات عبد الإله ابنكيران تشكيل حكومته عام 2016 عقب تصدر الحزب للانتخابات التشريعية في السنة ذاتها. إن ترديد هذا الخطاب وتجاهل الاعتراف بالأخطاء المرتكبة من شأنه أن يضعف الحزب أكثر مما يساعده على استعادة موقعه داخل المشهد السياسي المغربي.
وفي نفس السياق، تكمن الملاحظة الخامسة في دخول حزب العدالة والتنمية في صراع مع وسائل الإعلام، سواء العمومية منها أو الخاصة؛ إذ يعتبرها غير محايدة وتشن حرباً ضده دعماً للأحزاب المنافسة على حسابه، مما يوتر علاقته بالمنظومة الإعلامية التي تُعد الأداة الأساسية للأحزاب في الدفاع عن نفسها، والترويج لبرامجها الانتخابية، والتعريف بمرشحيها. ومع ذلك، فإن شعور الحزب بالمظلومية تجاه الممارسة الإعلامية – وإن كان يندرج ضمن آليات التسويق السياسي- يلعب دوراً محورياً في تعزيز قاعدته الشعبية، وهي ظاهرة لا تقتصر على حزب العدالة والتنمية أو الأحزاب المغربية فحسب، بل هي سمة مشتركة تطبع الممارسات الحزبية على الصعيد الدولي.
صحيح أن الممارسة الإعلامية في المغرب لا تلتزم في كثير من الأحيان بالحياد السياسي والانتخابي تجاه الأحزاب ومرشحيها، إلا أنه لا ينبغي إدراج ذلك في إطار المظلومية، بل يجب فهمه ضمن عملية التسويق السياسي؛ إذ إن غياب الحياد، سواء من جانب وسائل الإعلام أو السلطة، يسهم في تقوية الحزب وتعزيز انتشاره داخل المجتمع عوض إضعافه.
إضافة إلى الملاحظات السابقة، التي قد تؤدي بعضها إلى إضعاف الحزب بينما يسهم بعضها الآخر في إعادة تموقعه نسبياً، فإن فك الحزب لارتباطه بالحركات الدينية في المغرب – مثل جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وغيرهما، والتي كانت تدعمه سابقاً وتملك كتلة ناخبة قادرة على إعادته للواجهة السياسية – جاء نتيجة عدم استخلاصه العبر من أخطاء مرحلتي 2011 و2016. فقد أدى شعور هذه الحركات بابتعاد الحزب عن مبادئه ومرجعيته الفكرية التي تبناها قبل السلطة، وفشله في أداء دور الوسيط بين جماعة العدل والإحسان والدولة، إلى تباعدها عنه.
بناءً على ذلك، يحاول حزب العدالة والتنمية المغربي اليوم استعادة قاعدته الشعبية عبر إعادة تدوير خطابه السابق. فقد تحول الحزب إلى كيان يبحث عن المقاعد الانتخابية أكثر من اهتمامه بالحفاظ على مبادئه ومرجعيته الفكرية؛ وتتجلى هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة في كون انفتاحه على المجتمع صار مقترناً بالاستحقاقات الانتخابية فقط. وهذا يمثل تراجعاً عما كان عليه سابقاً، حيث كان يحرص على التأطير والتكوين والتواصل الدائم مع مختلف شرائح المجتمع، قبل أن ينهج نهج باقي الأحزاب السياسية في الاقتصار على التواصل الموسمي. ورغم ذريعة الحزب بأن ضعف التمويل هو سبب هذا التراجع، إلا أن التمويل المحدود لا يمنع من استمرار عمل المكاتب الحزبية في التواصل المباشر مع المواطنين وتلقي شكاياتهم.
من هذا المنطلق، لا ينبغي لحزب العدالة والتنمية أن يقتصر رهانه على انتخابات مجلس النواب لعام 2026، بل يجب أن يتبنى استراتيجية طويلة المدى بعيداً عن تأجيل المشكلات. فاستمرار الاعتماد على الخطاب نفسه أدى إلى تلاشي مبادئ الحزب وانسحاب العديد من مؤسسيه الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً في ثقافة سياسية واجتماعية طغت عليها ظاهرة “التنمر السياسي”. إن خروج ما يعرف بصقور الحزب أو مؤسسيه ليس مجرد نتيجة لصراعات داخلية بقدر ما هو تعبير عن رفضهم لهذا السلوك الذي بات يهيمن على الفضاء العام، والذي يتطلب من أي فاعل سياسي يطمح لتحمل المسؤولية أن يتقبل النقد والممارسات السياسية المختلفة.
نقلا عن رأي اليوم










