حرب مالي: تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري

د. جمال سالمي

تعكف مخابر المخابرات الجزائرية حاليا على دراسة أخطر سيناريو يمكن أن تنتهي إليه معارك دولة مالي المجاورة، بعد التطورات الأمنية الأخيرة، التي فاقت أكثر التوقعات تشاؤما، بفعل سرعتها وتوقيتها وحجم تحدياتها وتداعياتها.

يتمثل أخطر سيناريو في احتمال انهيار دولة مالي، ثم امتداد الفوضى إلى دول مجاورة، تعاني نفس الهشاشة الأمنية التي تعانيها مالي: النيجر مثلا، ثم ظهور ملاذات أمنية آمنة للتنظيمات المتطرفة، التي ستصبح فجأة أكثر قربا من الحدود الجزائرية.

لا يقتصر هذا الاحتمال على تهديدات حدودية تقليدية، بل يحمل أبعادا استراتيجية تمس الأمن القومي الجزائري بشكل مباشر.

 

 

تدهور الأوضاع الأمنية في مالي جاء إثر إقدام مسلحين على نصب نقاط تفتيش على عدد من الطرق الرئيسية المؤدية لباماكو، تزامنا مع سيطرة متمردين أزواديين على مزيد من النقاط العسكرية المهمة في شمال البلاد، بعد أيام من هجمات منسقة، أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، ثم سقوط مدينة كيدال بأيدي الحركات المسلحة، وانسحاب قوات فاغنر الروسية.

يعرف خبراء المخابرات الجزائرية جيدا مدى خطورة استمرار التحالفات الميدانية بين متمردي الطوارق (حركة أزواد الانفصالية) والجماعات المسلحة (داعش والقاعدة)، خاصة أن هذه التحالفات المؤقتة مدفوعة بوحدة العدو، ممثلا طبعا في السلطة العسكرية وحلفائها.

هناك عدة مؤشرات استخباراتية وعسكرية تؤكد احتمال تصاعد التهديدات في المرحلة المقبلة، مما سيضطر الجزائر لمراقبة المشهد بدقة أكثر وحذر أشد، حتى لا تجد الجزائر نفسها أمام معادلة دقيقة، تفرض حلولا صعبة جدا، بل قد تكون مستحيلة، على غرار التدخل العسكري المباشر للجيش الجزائري في مالي، الذي يبقى احتمالا واردا عندما ستصل الأحداث إلى درجة تحويل مالي إلى أفغانستان إفريقيا، بعد فشل نفس السيناريو في ليبيا.

الجزائر تواصل التوازن بين الجاهزية العسكرية والتحرك الدبلوماسي، إذ لا يخفى على كل متابع موضوعي نزيه صدق وعمق المقاربة الجزائرية، القائمة على رفض الانخراط في صراعات خارج الحدود، مع التركيز على دعم الحلول السياسية والتنموية، وتكثيف التنسيق الإقليمي لمنع انهيار الدولة المالية، حرصا على تجنب الاستنزاف طويل الأمد، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية، وتتعقد فيه طبيعة التهديدات.

الجزائر ليست وحدها في هذه المعركة، فجميع دول المنطقة أمام اختبار مفتوح لاحتواء هذه الأزمة، التي لا تعترف بالحدود، منعا لتوسعها واستمرارها وانتشارها في الساحل، مما سيزيد شهية التحالفات المسلحة والتنافس الدولي.

بين مالي والجزائر حدود برية تصل إلى 1359 كيلومترا، مع تحديات متنوعة ومشتركة، تجمعهما مصالح وعلاقات تاريخية ومتينة، رغم خلاف سياسي جاء مدفوعا بخلفيات من التوتر وتباين المواقف حول العديد من القضايا المحلية والإقليمية.

أعربت الجزائر، مرار وتكرارا، عن حرصها على أمن واستقرار جارتها الجنوبية مالي، التي تنشط فيها العديد من الحركات المسلحة والانفصالية التي تعمل على تهديد وحدتها.

الموقف الرسمي الجزائري لخصه بوضوح وصراحة الرئيس تبون، خلال حواره الدوري مع بعض ممثلي الصحافة المحلية، إذ كشف عن اتصالات غير مباشرة بين بلاده ودولة مالي، مباشرة بعد تصاعد الهجمات المنسقة التي تقودها جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ضد المجلس العسكري الحاكم.

الرئيس الجزائري عبر عن أسفه للوضع في مالي، داعيا باماكو إلى التحاور مع الشعب، مؤكدا روابط الأخوة القائمة بين الجزائر ومالي، إذ قال حرفيا:

 “كنا نعلم أن الأمور ستتأزم.. لأن مالي دخلت في مرحلة ما كانت لتؤدي سوى لعدم الاستقرار.. سبيل الحكمة هو الحوار، حتى وإن لم تتم عملية تولي السلطة بطريقة دستورية، فيمكن إضفاء الطابع الدستوري عليها.. يحاول البعض تمرير ذلك على أنه تدخل من الجزائر في الشؤون الداخلية لمالي..

 لا، إن هذه الاتفاقيات جاءت نتيجة لما حدث سابقا.. ففي كل مرة يحدث فيها تغيير في القيادة في مالي، تكون هناك محاولة لحل المشكلة بالقوة، لكن القوة لا تحل المشكلات”.

الرئيس الجزائري أشار إلى أن الجزائر لم ولن تتدخل في الشؤون الداخلية لمالي أو لبلدان أخرى، لافتا إلى أن اتفاق الجزائر (2015) شأن يخص مالي وليس شأنا جزائريا.

كانت مالي أعلنت مطلع عام 2024 انسحابها من اتفاق السلم والمصالحة الذي وُقّع بين الحكومة المالية وعدد من الحركات الأزوادية عام 2015 بوساطة الجزائر.

رغم تصاعد التوترات في مالي، أكد الرئيس الجزائري أن الماليين يرجعون دائما في نهاية المطاف إلى الحوار، لا سيما بمساعدة الجزائر.

كما أعرب عن قناعته بقدرة الماليين على تجاوز هذه الوضعية، مبديا استعداد الجزائر لمد يد العون إذا طُلب منها ذلك.

نقلا عن رأي اليوم

جمعة, 08/05/2026 - 23:16