سورية بين المجازر والمحاسبة نحو عدالة انتقالية غير مجزأة

الدكتور حسن مرهج

في أتون الصراع السوري الذي امتد لأكثر من عقد ونصف، حيث تحولت ما يُسمى الثورة إلى حرب أهلية شاملة، تبرز العدالة الانتقالية كالخيط الرفيع الذي يفصل بين الولادة الجديدة للأمة والغرق في مستنقع الدماء الأبدي. ليست هذه العدالة مجرد حسابات قانونية، بل فلسفة سياسية ترتبط بجوهر السيادة الوطنية، وفي سورية، حيث اختلطت الانتهاكات بين فصائل معارضة وتدخلات خارجية، يصبح السؤال المركزي: هل تكون العدالة شمولية تطال الجميع، أم تتحول إلى أداة للهيمنة الجديدة بقيادة الجولاني.

Play

 

 

 

 

إذاً في قلب الصراع السوري الممتد لأكثر من عقد، تبرز قضية العدالة كمحور حاسم يحدد مسار الأمة نحو الاستقرار أو الانهيار. ليست العدالة في سورية مجرد عملية قانونية، بل هي نسيج سياسي ينسج خيوط الثقة الوطنية أو يمزقها، فهي إما محاسبة شاملة تطال كل فاعل ارتكب انتهاكات، أو مصالحة وطنية كاملة تعيد بناء الجسد السوري الممزق، وأي شكل مجزأ منها يعني تفاقم الدورات الدموية، إذ يولد ضحايا جدد من أولئك الذين يشعرون بالإفلات من العقاب، مما يحول الدولة الناشئة إلى ساحة للانتقامات الطائفية والإقليمية.

الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها بعض الفصائل المعارضة، مثل وضع المدنيين في أقفاص مهينة في دوما أو المجزرة الوحشية في عدرا العمالية، ليست مجرد حوادث عابرة، بل رموز لتحول الثورة إلى وحش يلتهم أبناءه، إذ أن هذه الأفعال، التي نفذها مسلحون يدعون الدفاع عن الحرية، أنتجت جرحًا عميقًا في النسيج الاجتماعي، حيث تحول المدنيون إلى أدوات في لعبة السلطة الجديدة، ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن سياق أوسع، فالنظام الحالي في سورية النظام السابق أنتج بيئة خصبة للانتقام، لكن ذلك لا يبرر تحول الضحايا إلى جلادين. العدالة الحقيقية تتطلب الاعتراف بهذه الازدواجية، فالمحاسبة الانتقائية تحول المنتصرين اليوم إلى مظلومين غدًا، مما يعيد إنتاج الديكتاتورية تحت ستار جديد.

أما أبو محمد الجولاني وأعوانه، فهم يمثلون قمة هذا التحدي في سياق التحول الوطني، حيث أداروا حملات دموية في الساحل والسويداء لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل استراتيجية لفرض هيمنة طائفية تتناقض مع شعارات الوحدة الوطنية. هذه المجازر ليست انحرافًا عرضيًا، بل امتدادًا لمنطق الصراع الذي يرى في الآخر عدوًا مطلقًا، سواء كان علويًا أو درزيًا أو غيرهما. الجولاني، الذي تحول من قائد جهادي إلى “زعيم انتقالي”، يجسد الخطر الأكبر، حيث أن استخدام الدين والقبيلة كأدوات للسيطرة، مما يهدد بتحويل سورية إلى إمارة طائفية جديدة، وبالتالي فإن محاسبة الجولاني هي ضرورة سياسية لإنهاء دورة العنف التي بدأت مع سقوط النظام واستمرت في قتل الطائفة العلوية بشكل ممنهج اليوم، حيث يُستهدف المدنيون كرمز للنظام السابق، مما يعمق الانقسامات ويفتح الباب لتدخلات خارجية تستغل الفوضى.

سورية لن ترى النور إلا إذا امتدت العدالة إلى كل زاوية من تاريخ الأزمة، منذ الشرارة الأولى في 2011 وحتى اللحظات الحالية، ولابد هنا من محاسبة الفصائل المعارضة على مجازرها، والقوى الجديدة على انتهاكاتها ما بعد السقوط، هي الطريق الوحيد لإعادة بناء دولة قائمة على المواطنة لا الطائفية. المصالحة الشاملة، إذا اختيرت، يجب أن تكون مدعومة بآليات انتقالية تضمن الاعتراف بالألم المشترك، مثل لجان الحقيقة والمصالحة التي تمنح صوتًا لكل ضحية دون استثناء، ودون ذلك ستظل سورية أسيرة لدورة العنف، حيث يصبح كل إفلات من العقاب دعوة للثأر. العدالة ليست رفاهية، بل الشرط الوحيد لولادة سورية جديدة قادرة على الوقوف على قدميها وسط عواصف الشرق الأوسط.

نقلا عن رأي اليوم

اثنين, 27/04/2026 - 16:45