ليس من قبيل المبالغة القول إن الجزائر تقف اليوم على تخوم مرحلةٍ مفصلية، لم يعد الزمن السياسي فيها يُقاس بوتيرة الاستحقاقات، بل بقدرة المؤسسات على استيعاب التحولات وصياغة معناها. وفي قلب هذا التحول، يبرز سؤال البرلمان، لا بوصفه هيئةً تشريعية فحسب، بل مرآةً لمدى نضج الدولة في إدارة التوازن بين الشرعية والفعالية، وبين الإرادة الشعبية وحسن ترجمتها إلى سياساتٍ عمومية ذات أثر.
إن التحديات التي تُطوّق اللحظة—من اقتصادٍ يسعى إلى التحرر من هشاشته الريعية، إلى مجتمعٍ شاب يبحث عن أفقٍ يليق بطموحه، وصولًا إلى عالمٍ يعيد تشكيل نفسه بلغة التكنولوجيا والسيادة—تضع البرلمان القادم أمام مسؤوليةٍ تاريخية: الانتقال من موقع التعليق على الأحداث إلى موقع التأثير فيها.
فأيُّ برلمان تحتاجه الجزائر اليوم؟
أبرلمانٌ يكتفي بتدوير الخطاب داخل قاعةٍ مغلقة، أم مؤسسةٌ تُصغي لما يتشكل خارجها، وتُحوّله إلى تشريعٍ يواكب اللحظة ويستبق ما بعدها؟
لقد تجاوز الرهان مسألة عدد المقاعد وهندسة التحالفات، ليصبح سؤالًا عن نوعية الحضور داخل المؤسسة: حضورٌ يُجيد قراءة الواقع بعمق، ويملك شجاعة مساءلته، ويؤمن بأن التشريع ليس نصًا يُصاغ، بل مستقبلٌ يُبنى.
من التمثيل إلى التأثير: تحوّل الوظيفة البرلمانية
لم يعد التمثيل السياسي في صيغته التقليدية كافيًا أمام تعقّد التحديات. فالنائب اليوم لا يُنتظر منه نقل الانشغالات فحسب، بل تحويلها إلى سياساتٍ قابلة للتطبيق، ذات أثرٍ قابلٍ للقياس.
إن الجزائر بحاجة إلى برلمانٍ ينتقل من “لغة المطالب” إلى “هندسة الحلول”، ومن تسجيل المواقف إلى صناعة القرار.
برلمان الكفاءة: حين تصبح الخبرة شرطًا لا هامشًا
في زمن الاقتصاد المعرفي، لا يمكن للتشريع أن يظل رهين الارتجال. المطلوب إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة داخل المؤسسة البرلمانية، بحيث يكون النائب فاعلًا معرفيًا بقدر ما هو ممثل سياسي.
فالتحديات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والتحول الطاقوي، وإصلاح المنظومات الاجتماعية، تتطلب أدوات تحليلٍ عميقة، لا مجرد حضورٍ شكلي.
التشريع الاستباقي: السبق بدل التدارك
من أبرز اختلالات الممارسة البرلمانية طابعها التفاعلي المتأخر، بينما تفرض المرحلة المقبلة برلمانًا استباقيًا يشرّع قبل أن تُملي الوقائع شروطها.
فقضايا مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاقتصاد الأخضر، لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت جزءًا من معادلة السيادة الوطنية.
الرقابة الفعالة: مساءلة النتائج لا النوايا
لا معنى لرقابةٍ لا تُنتج أثرًا. فالبرلمان القادم مطالبٌ بتجاوز الرقابة الشكلية نحو تقييمٍ حقيقي للسياسات العمومية:
كم مشروعًا حقق أهدافه؟
كم برنامجًا تعثّر؟
وأين تكمن مسؤولية الإخفاق؟
هنا فقط تتحول الرقابة إلى أداة بناء، لا مجرد إجراء.
نحو برلمانٍ يواكب الدولة ويقود المجتمع: مقترحات عملية
إدماج الخبرة عبر إنشاء خلايا تفكير دائمة تُرافق النواب في صياغة النصوص وتحليل الأثر.
رقمنة العمل البرلماني بإطلاق منصاتٍ تفاعلية تُشرك المواطن في تتبع ومناقشة مشاريع القوانين.
إقرار آليات تقييمٍ دوري للسياسات العمومية تُلزم الجهاز التنفيذي بتقديم حصائل تُناقش علنًا.
تفعيل التكوين المستمر للنواب في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتشريع المقارن.
فتح قنواتٍ مؤسساتية مع الجامعات والشباب لتحويل البحث العلمي إلى قوة اقتراح تشريعي.
تعزيز استقلالية المبادرة التشريعية بما يمنح البرلمان دورًا فعليًا في اقتراح القوانين.
خاتمة: برلمان يصنع الثقة أو يُبددها
الرهان الحقيقي ليس في شكل البرلمان، بل في روحه. فإما أن يكون مؤسسة تُعيد للمواطن ثقته في السياسة، أو يتحول إلى عبءٍ رمزي يُعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
الجزائر اليوم لا تحتاج إلى برلمانٍ يُواكب فقط، بل إلى برلمانٍ يُبادر، يُفكّر، ويقود.
برلمانٍ يُدرك أن الأوطان لا تُبنى بالنوايا، بل بجودة ما يُصاغ لها من قوانين، وبجرأة من يسهرون على صياغتها.
وعلى تخوم هذه المرحلة، يبقى السؤال مفتوحًا…
لكن الإجابة هذه المرة لن تُكتب بالكلمات، بل بالأداء.
نقلا عن رأي اليوم










