الأصل أن نظم الحكم تدير الدول وفقا للقوانيين والدساتير لصالح الدولة والشعب. ولذلك فإن هذه النظم تعقد اتفاقات للحصول على الديون ويفترض أن هذه الديون تفيد الدولة ولاتستخدمها الحكومة لمصالح شخصية وإنما لصالح الدولة. والدولة ظاهرة دائمة، والحكومة متغيرة ومن واجب الحكومة المتعاقبة خاصة الحكومات التى تأتى بانقلاب أو يثورة أن تؤكد التزامها بالوفاء بكل المعاهدات للمحافظة على استقرار العلاقات القانونية مما يوفر الضمان لحسن العلاقات وعدم نشأة النزاعات.
أما إن تغير نظام الحكم ولك يكن النظام القديم قد حصل على القروض وبددها فى مغامرات شخصية، فالدولة ليست ملتزمة بالوفاء بهذه القروض. وتسمى هذه القروض الكريهة أو الفاسدة ولايعد ذلك انتهاكا لمعاهدات القروض. بل إن بعض الدول تعتبر أن هذه القروض حمت نظام فاسد وبين الدول المقرضة على سبيل تواطؤ الطرفين على الدولة المقترحة مما يؤدى إلى قابلية هذه المعاهدات للإبطال. وقد بدأت هذه الفكرة عام 1927 عندما طرحها فقيه سوفيتى وكان الهدف الأساسى منها هو التملص من الاتفاقات المعقودة بين روسيا والدول الرأسمالية بالإكراه. ولذلك أشارت معاهدة فيينا لقانون المعاهدات على أن كافة المعاهدات تبرم على أساس الشفافية والفعالية، إما إذا كان تطبيق الاتفاقية يؤدى إلى الإضرار بأحد الطرفين فيجوز للطرف المضرور أن يفسخ المعاهدة على أساسى أن المعاهدة تبرم بناء على بقاء الشئ على حاله ويعبر عنها بالمصطلح اللاتينى.
فإذا تغيرت الظروف جاز الدولة أن تفسخ المعاهدة ولذلك وضعت المادة 62 من المعاهدة لعام 1969 شروطا صارمة لحق الفسخ فاشترطت أن تكون الظروف المبيحة للفسخ أن تكون جوهرية بمعنى أنها تلك الظروف التى كشف عنها بعد أيام المعاهدة أو التى كشف عنها تطبيق المعاهدة. وكانت هذه الظروف والدوافع هى التى دفعت الدولة إلى إبرام المعاهدة.
وظلت هذه النظرية التى ظهرت عام 1927 من جانب الفقه السوفيتى دون أن تطبق فى العمل الدولى. فلما سقط الاتحاد السوفيتى وسقطت النظرية القانونية الشيوعية تم للولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق عام 2003 وفى عام 2005 وضعت الدولتان يدها على أموال العراق بقرار مجلس الأمن، طالبت إيران بتعويض عن الأضرار التى لحقتها بسبب غزو صدام حسين لها، ولكن واشنطن يهمها أن تنفرد بأموال العراق وحرمان إيران من التعويض فاستدعت أستاذين لامعين من جامعة هارفارد وبلورا نظرية الديون الفاسدة، ومؤداها أن العراق فى حكمه من حقه أن يمتنع عن دفع هذه القروض مادام صدام حسين قد استخدمها فى مغامرات شخصية لم تضر الدولة العراقية فهو استخدمها فى غزو إيران واحتلال الكويت وأصبحت هذه النظرية مستقرة فى الفقه الدولى منذ ذلك الوقت.
هذه النظرية قاتلة للتطبيق ويبدو أن الدول الدائنة قد سلمت بهذه النظرية فلم تحتج عليها أو ترفع دعاوى على الدول المدينة مما يتاح لنا ثروة من التطبيقات.
ولذلك فالنظم الفاسدة التى حصلت على القروض وأنفقها فى غير محلها تدرك أنها لو تغيرت لأى سبب، فإن من حق النظام الجديد أن يمتنع عن دفع هذه القروض.
وتطبيقاً لهذه القاعدة يجوز للنظام الجديد فى سوريا أن يمتنع عن دفع القروض التى تعاقد عليها النظام السابق بشرط أن يثبت النظام الجديد أن القروض لم يسخدم لصالح الدولة والشعب. هذه النظرية فيها عنصران أو طرفان: المقرض والمقترض فمن حق المقترض أن يمتنع عن دفع الديون: ويحق للمقرض أن يقبل أو يرفض كما يجوز لها اللجوء إلى القضاء الدولى وهو حريص على استقرار المعاملات القانونية الدولية. ونأمل أن نرصد هذه النظرية فى التطبيق. وأحيانا يتم تسوية قضية الديون بين الطرفين. وميزة العرض على القضاء الدولى أن يتأكد أنالمقترض لديه أسبابه القانونية ومن واجبه أيضاً احترام معاهدات القروض، كما أن من حق الدولة المقترضه أن تسترد أموالها. علماً بأن القروض من دولة مقرضة إلى دولة مقترضه فيه مسحة من الفساد، فقد لا تكون القروض ضرورية وفق دراسات الجدوى، ولكن يمكن أن القرض فيه مصالح شخصية للطرفين، أو يكون القرض رشوة من الدولة المقترحة مقابل الاعتراف بالنظام الجديد.
نقلا عن رأي اليوم










